تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 12 إلى 16 ]

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ ( 16 ) يقول تعالى مخبرا عن ابتداء خلق الإنسان من سلالة من طين ، وهو آدم عليه السلام خلقه اللّه من صلصال من حمأ مسنون . وقال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن أبي يحيى عن ابن عباس
مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ
قال : من صفوة الماء . وقال مجاهد : من سلالة أي من مني آدم . وقال ابن جرير « 1 » : إنما سمي آدم طينا لأنه مخلوق منه وقال قتادة : استل آدم من الطين وهذا أظهر في المعنى وأقرب إلى السياق ، فإن آدم عليه السلام خلق من طين لازب « 2 » ، وهو الصلصال من الحمإ المسنون ، وذلك مخلوق من التراب كما قال تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ
[ الروم : 20 ] . وقال الإمام أحمد « 3 » : حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عوف ، حدثنا قسامة بن زهير عن أبي موسى عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال : « إن اللّه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك ، والخبيث والطيب وبين ذلك » « 4 » وقد رواه أبو داود والترمذي من طرق عن عوف الأعرابي به نحوه . وقال الترمذي : حسن صحيح
ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً
هذا الضمير عائد على جنس الإنسان كما قال في الآية الأخرى :
وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ
[ السجدة : 7 - 8 ] أي ضعيف ، كما قال :
أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ
يعني الرحم معد لذلك مهيأ له
إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ
[ المرسلات : 20 - 21 ] أي مدة معلومة وأجل معين حتى استحكم وتنقل من حال إلى حال وصفة إلى صفة ، ولهذا قال هاهنا :
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً
أي ثم صبرنا النطفة ، وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل وهو ظهره ، وترائب المرأة وهي عظام صدرها ما بين الترقوة إلى السرة ، فصارت علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة ، قال عكرمة : وهي دم
فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً
وهي قطعة كالبضعة من اللحم لا شكل فيها ولا تخطيط
فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً
يعني شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها . وقرأ آخرون
فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً
قال ابن عباس : وهو عظم الصلب ، وفي الصحيح
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 9 / 202 . ( 2 ) الطين اللازب : هو الطين اللاصق الصلب . ( 3 ) المسند 4 / 400 ، 406 . ( 4 ) أخرجه أبو داود في السنة باب 16 ، والترمذي في تفسير سورة 2 ، باب 1 .