تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
حرف الجبل أي طرفه ، أي دخل في الدين على طرف فإن وجد ما يحبه استقر وإلا انشمر . وقال البخاري « 1 » : حدثنا إبراهيم بن الحارث ، حدثنا يحيى بن أبي بكير ، حدثنا إسرائيل عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ
قال : كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال : هذا دين صالح ، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال : هذا دين سوء . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ، حدثني أبي عن أبيه عن أشعث بن إسحاق القمي عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : كان ناس من الأعراب يأتون النبي صلّى اللّه عليه وسلم فيسلمون ، فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن ، قالوا : إن ديننا هذا لصالح فتمسكوا به وإن وجدوا عام جدوبة وعام ولاد سوء وعام قحط ، قالوا : ما في ديننا هذا خير ، فأنزل اللّه على نبيه
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ
الآية . وقال العوفي عن ابن عباس : كان أحدهم إذا قدم المدينة وهي أرض وبيئة ، فإن صح بها جسمه ونتجت فرسه مهرا حسنا وولدت امرأته غلاما رضي به ، واطمأن إليه ، وقال : ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيرا ،
وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ
والفتنة البلاء ، أي وإن أصابه وجع المدينة وولدت امرأته جارية وتأخرت عنه الصدقة ، أتاه الشيطان فقال : واللّه ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شرا ، وذلك الفتنة « 2 » ، وهكذا ذكر قتادة والضحاك وابن جريج وغير واحد من السلف في تفسير هذه الآية . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هو المنافق إن صلحت له دنياه أقام على العبادة ، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه ، فإن أصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق ترك دينه ورجع إلى الكفر « 3 » . وقال مجاهد في قوله :
انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ
أي ارتد كافرا . وقوله :
خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ
أي فلا هو حصل من الدنيا على شيء ، وأما الآخرة فقد كفر باللّه العظيم ، فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة ، ولهذا قال تعالى :
ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ
أي هذه هي الخسارة العظيمة والصفقة الخاسرة وقوله :
يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ
أي من الأصنام والأنداد ، يستغيث بها ويستنصرها ويسترزقها وهي لا تنفعه ولا تضره
ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ
وقوله :
يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ
أي ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها ، وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن .
هامش
( 1 ) كتاب التفسير ، تفسير سورة 22 ، باب 2 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 9 / 115 . ( 3 ) انظر تفسير الطبري 9 / 116 .