تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤

[ سورة الحج ( 22 ) : آية 17 ]

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 17 ) يخبر تعالى عن أهل هذه الأديان المختلفة من المؤمنين ومن سواهم من اليهود والصابئين ، وقد قدمنا في سورة البقرة « 1 » التعريف بهم واختلاف الناس فيهم ، والنصارى والمجوس والذين أشركوا فعبدوا مع اللّه غيره ، فإنه تعالى :
يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
ويحكم بينهم بالعدل ، فيدخل من آمن به الجنة ، ومن كفر به النار ، فإنه تعالى شهيد على أفعالهم ، حفيظ لأقوالهم ، عليم بسرائرهم وما تكن ضمائرهم .

[ سورة الحج ( 22 ) : آية 18 ]

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 18 ) يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له ، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعا وكرها ، وسجود كل شيء مما يختص به ، كما قال تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ
[ النحل : 48 ] وقال هاهنا :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ
أي من الملائكة في أقطار السماوات ، والحيوانات في جميع الجهات من الإنس والجن والدواب والطير
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
[ الإسراء : 44 ] وقوله :
وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ
إنما ذكر هذه على التنصيص ، لأنها قد عبدت من دون اللّه فبين أنها تسجد لخالقها وأنها مربوبة مسخرة
لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ
[ فصلت : 37 ] الآية . وفي الصحيحين عن أبي ذر رضي اللّه عنه قال : قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أتدري أين تذهب هذه الشمس ؟ » قلت : اللّه ورسوله أعلم . قال : « فإنها تذهب فتسجد تحت العرش ، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها ارجعي من حيث جئت » « 2 » وفي المسند وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجة في حديث الكسوف « إن الشمس والقمر خلقان من خلق اللّه ، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ، ولكن اللّه عز وجل إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له » « 3 » . وقال أبو العالية : ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع للّه ساجدا حين يغيب ، ثم
هامش
( 1 ) انظر تفسير الآية 62 من سورة البقرة . ( 2 ) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب 4 ، ومسلم في الإيمان حديث 250 ، 251 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في الاستسقاء باب 3 ، والنسائي في الكسوف باب 16 ، وابن ماجة في الإقامة باب 152 ، وأحمد في المسند 4 / 267 ، 269 .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 354 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين