تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 8 إلى 10 ]

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ( 8 ) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ ( 9 ) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 10 ) لما ذكر تعالى حال الضلال الجهال المقلدين في قوله :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ
ذكر في هذه حال الدعاة إلى الضلال من رؤوس الكفر والبدع فقال :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ
أي بلا عقل صحيح ، ولا نقل صحيح صريح ، بل بمجرد الرأي والهوى . وقوله :
ثانِيَ عِطْفِهِ
قال ابن عباس وغيره : مستكبر عن الحق إذا دعي إليه ، وقال مجاهد وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم
ثانِيَ عِطْفِهِ
أي لاوي عنقه « 1 » وهي رقبته ، يعني يعرض عما يدعى إليه من الحق ، ويثني رقبته استكبارا ، كقوله تعالى :
وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ
[ الذاريات : 38 - 39 ] الآية ، وقال تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً
[ النساء : 61 ] وقال تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ
[ المنافقون : 5 ] وقال لقمان لابنه
وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ
[ لقمان : 18 ] أي تميله عنهم استكبارا عليهم ، وقال تعالى :
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً
[ لقمان : 7 ] الآية . وقوله :
لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
قال بعضهم : هذه لام العاقبة ، لأنه قد لا يقصد ذلك ، ويحتمل أن تكون لام التعليل . ثم إما أن يكون المراد بها المعاندين أو يكون المراد بها أن هذا الفاعل لهذا إنما جبلناه على هذا الخلق الدنيء لنجعله ممن يضل عن سبيل اللّه . ثم قال تعالى :
لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ
وهو الإهانة والذل ، كما أنه لما استكبر عن آيات اللّه لقاه اللّه المذلة في الدنيا وعاقبه فيها قبل الآخرة ، لأنها أكبر همه ومبلغ علمه
وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ
أي يقال له هذا تقريعا وتوبيخا
وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
كقوله تعالى :
خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ
[ الدخان : 47 - 50 ] . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أحمد بن الصباح ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا هشام عن الحسن قال : بلغني أن أحدهم يحرق في اليوم سبعين ألف مرة .

[ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 11 إلى 13 ]

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ( 11 ) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 12 ) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ( 13 ) قال مجاهد وقتادة وغيرهما :
عَلى حَرْفٍ
على شك ، وقال غيرهم : على طرف ، ومنه
هامش
( 1 ) انظر تفسير الطبري 9 / 114 .