تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ
. قال قتادة : أدركت القوم حيرة سوء ، فقالوا
لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ
. وقال السدي
ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ
أي في الفتنة . وقال ابن زيد : أي في الرأي ، وقول قتادة أظهر في المعنى ، لأنهم إنما فعلوا ذلك حيرة وعجزا ، ولهذا قالوا له
لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ
فكيف تقول لنا سلوهم إن كانوا ينطقون ، وأنت تعلم أنها لا تنطق ، فعندها قال لهم إبراهيم لما اعترفوا بذلك
أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ
أي إذا كانت لا تنطق وهي لا تنفع ولا تضر ، فلم تعبدونها من دون اللّه ؟
أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
أي أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ الذي لا يروج إلا على جاهل ظالم فاجر . فأقام عليهم الحجة وألزمهم بها ، ولهذا قال تعالى :
وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ
[ الأنعام : 93 ] الآية .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 68 إلى 70 ]

قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 68 ) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ( 69 ) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ ( 70 ) لما دحضت حجتهم وبان عجزهم وظهر الحق واندفع الباطل عدلوا إلى استعمال جاه ملكهم ، فقالوا :
حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
، فجمعوا حطبا كثيرا جدا ، قال السدي : حتى إن كانت المرأة تمرض فتنذر إن عوفيت أن تحمل حطبا لحريق إبراهيم ، ثم جعلوه في جوبة « 1 » من الأرض وأضرموها نارا ، فكان لها شرر عظيم ولهب مرتفع لم توقد نار قط مثلها ، وجعلوا إبراهيم عليه السّلام في كفة المنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس من الأكراد . قال شعيب الجبائي ، اسمه هيزن : فخسف اللّه به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ، فلما ألقوه قال : حسبي اللّه ونعم الوكيل ، كما رواه البخاري عن ابن عباس أنه قال : حسبي اللّه ونعم الوكيل ، قالها إبراهيم حين ألقي في النار ، وقالها محمد عليهما السلام حين قالوا إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ، فزادهم إيمانا ، وقالوا : حسبنا اللّه ونعم الوكيل . وروى الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو هشام ، حدثنا إسحاق بن سليمان عن أبي جعفر ، عن عاصم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لما ألقي إبراهيم عليه السّلام في النار ، قال : اللهم إنك في السماء واحد ، وأنا في الأرض واحد أعبدك » ويروى أنه لما جعلوا يوثقونه قال : لا إله إلا أنت ، سبحانك لك الحمد ، ولك الملك لا شريك لك ، وقال شعيب الجبائي : كان عمره إذ ذاك ست عشرة سنة ، فاللّه أعلم ، وذكر بعض السلف أنه عرض له جبريل وهو في الهواء فقال : ألك حاجة ؟ فقال : أما إليك فلا ، وأما من اللّه فبلى . وقال سعيد بن جبير - ويروى عن ابن عباس أيضا - قال : لما ألقي إبراهيم ، جعل خازن
هامش
( 1 ) الجوبة : الحفرة .