تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ
أي ما زالت تلك المقالة ، وهي الاعتراف بالظلم هجيراهم حتى حصدناهم حصدا ، وخمدت حركاتهم وأصواتهم خمودا .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 16 إلى 20 ]

وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ( 16 ) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ ( 17 ) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ( 18 ) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ( 19 ) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ( 20 ) يخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض بالحق ، أي بالعدل والقسط ،
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
[ النجم : 31 ] ، وأنه لم يخلق ذلك عبثا ولا لعبا كما قال :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ
[ ص : 27 ] وقوله تعالى :
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ
قال ابن أبي نجيح عن مجاهد
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا
يعني من عندنا ، يقول : وما خلقنا جنة ولا نارا ولا موتا ولا بعثا ولا حسابا . وقال الحسن وقتادة وغيرهما
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً
اللهو المرأة بلسان أهل اليمن « 1 » . وقال إبراهيم النخعي
لَاتَّخَذْناهُ
من الحور العين . وقال عكرمة والسدي : والمراد باللهو هاهنا الولد ، وهذا والذي قبله متلازمان ، وهو كقوله تعالى :
لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
[ الزمر : 4 ] فنزه نفسه عن اتخاذ الولد مطلقا ولا سيما عما يقولون من الإفك والباطل من اتخاذ عيسى أو العزيز أو الملائكة سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا . وقوله :
إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ
قال قتادة والسدي وإبراهيم النخعي ومغيرة بن مقسم : أي ما كنا فاعلين . وقال مجاهد كل شيء في القرآن
أَنْ *
فهو إنكار . وقوله :
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ
أي نبين الحق فيدحض الباطل ، ولهذا قال :
فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ
أي ذاهب مضمحل
وَلَكُمُ الْوَيْلُ
أي أيها القائلون للّه ولد
مِمَّا تَصِفُونَ
أي تقولون وتفترون . ثم أخبر تعالى عن عبودية الملائكة له ودأبهم في طاعته ليلا ونهارا ، فقال :
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ
يعني الملائكة
لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ
أي لا يستنكفون عنها ، كما قال :
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً
[ النساء : 172 ] . وقوله :
وَلا يَسْتَحْسِرُونَ
أي لا يتعبون ولا يملون
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ
هامش
( 1 ) انظر تفسير الطبري 9 / 11 .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 294 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين