تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
مثواه ، وكلم فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فجاءه الرجل فقال : إني استقطعت من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم واديا في العرب ، وقد أردت أن اقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك ، فقال عامر : لا حاجة لي في قطيعتك ، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ
. ثم أخبر تعالى أنهم لا يصغون إلى الوحي الذي أنزل اللّه على رسوله والخطاب مع قريش ومن شابههم من الكفار ، فقال
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ
أي جديد إنزاله
إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
كما قال ابن عباس : ما لكم تسألون أهل الكتاب عما بأيديهم وقد حرفوه وبدلوه وزادوا فيه ونقصوا منه ، وكتابكم أحدث الكتب باللّه تقرؤونه محضا لم يشب ، رواه البخاري « 1 » بنحوه . وقوله :
وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا
أي قائلين فيما بينهم خفية
هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
يعنون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يستبعدون كونه نبيا لأنه بشر مثلهم ، فكيف اختص بالوحي دونهم ، ولهذا قال :
أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
أي أفتتبعونه فتكونون كمن يأتي السحر وهو يعلم أنه سحر ، فقال تعالى مجيبا لهم عما افتروه واختلقوه من الكذب .
قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ
أي الذي يعلم ذلك لا يخفى عليه خافية ، وهو الذي أنزل هذا القرآن المشتمل على خبر الأولين والآخرين ، الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله إلا الذي يعلم السر في السماوات والأرض . وقوله :
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
أي السميع لأقوالكم والعليم بأحوالكم ، وفي هذا تهديد لهم ووعيد . وقوله :
بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ
هذا إخبار عن تعنت الكفار وإلحادهم واختلافهم فيما يصفون به القرآن ، وحيرتهم فيه وضلالهم عنه ، فتارة يجعلونه سحرا ، وتارة يجعلونه شعرا ، وتارة يجعلونه أضغاث أحلام ، وتارة يجعلونه مفترى ، كما قال
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا *
[ الإسراء : 48 والفرقان : 9 ] . وقوله
فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ
يعنون كناقة صالح وآيات موسى وعيسى وقد قال اللّه :
وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
[ الإسراء : 59 ] الآية ، ولهذا قال تعالى :
ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ
أي ما آتينا قرية من القرى التي بعث فيهم الرسل آية على يدي نبيها فآمنوا بها بل كذبوا ، فأهلكناهم بذلك أفهؤلاء يؤمنون بالآيات لو رأوها دون أولئك ؟ كلا ، بل
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
[ يونس : 96 - 97 ] هذا كله وقد شاهدوا من الآيات الباهرات والحجج القاطعات والدلائل البينات على يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما هو أظهر وأجلى
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الاعتصام باب 25 ، والتوحيد باب 42 .