تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 519

مساهمون:

ص٥١٩
وسلمان إنما أسلم بالمدينة ، وقال عبيد اللّه بن مسلم : كان لنا غلامان روميان يقرآن كتابا لهما بلسانهما فكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يمر بهما فيقوم فيسمع منهما ، فقال المشركون : يتعلم منهما ، فأنزل اللّه هذه الآية « 1 » . وقال الزهري عن سعيد بن المسيب : الذي قال ذلك من المشركين رجل كان يكتب الوحي لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فارتد بعد ذلك عن الإسلام وافترى هذه المقالة ، قبحه اللّه .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 104 إلى 105 ]

إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 104 ) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 105 ) يخبر تعالى أنه لا يهدي من أعرض عن ذكره وتغافل عما أنزله على رسوله صلى اللّه عليه وسلم ولم يكن له قصد إلى الايمان بما جاء من عند اللّه ، فهذا الجنس من الناس لا يهديهم اللّه إلى الايمان بآياته وما أرسل به رسله في الدنيا ، ولهم عذاب أليم موجع في الآخرة ، ثم أخبر تعالى أن رسوله صلى اللّه عليه وسلم ليس بمفتر ولا كذاب ، لأنه إنما يفتري الكذب على اللّه وعلى رسوله صلى اللّه عليه وسلم شرار الخلق ،
الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ
[ النحل : 105 ] من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس ، والرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا ، معروفا بالصدق في قومه ، لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يدعى بينهم إلا بالأمين محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن تلك المسائل التي سألها من صفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان فيما قال له : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال : لا ، فقال هرقل : فما كان ليدع الكذب على الناس ويذهب فيكذب على اللّه عز وجل .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 106 إلى 109 ]

مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 106 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 107 ) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ( 108 ) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 109 ) أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر ، وشرح صدره بالكفر واطمأن به ، أنه قد غضب عليه لعلمهم بالإيمان ثم عدولهم عنه ، وأن لهم عذابا عظيما في الدار الآخرة ، لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة ، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا ، ولم يهد اللّه قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق ، فطبع على قلوبهم ، فهم لا يعقلون بها شيئا ينفعهم ، وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها ، ولا أغنت عنهم شيئا فهم غافلون عما يراد
هامش
( 1 ) انظر تفسير الطبري 7 / 649 .