تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
وقال الإمام أحمد « 1 » أيضا : حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر عن أيوب عن حميد بن هلال العدوي ، عن أبي بردة قال : قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمن ، فإذا رجل عنده ، قال : ما هذا ؟ قال : رجل كان يهوديا فأسلم ، ثم تهود ونحن نريده على الإسلام منذ قال أحسبه شهرين ، فقال : واللّه لا أقعد حتى تضربوا عنقه ، فضربت عنقه ، فقال : قضى اللّه ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه أو قال : « من بدل دينه فاقتلوه » وهذه القصة في الصحيحين بلفظ آخر . والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله ، كما ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد اللّه بن حذافة السهمي أحد الصحابة أنه أسرته الروم ، فجاؤوا به إلى ملكهم فقال له : تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي ، فقال له : لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد صلى اللّه عليه وسلم طرفة عين ما فعلت ، فقال : إذا أقتلك ، فقال : أنت وذاك ، قال : فأمر به فصلب ، وأمر الرماة فرموه قريبا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى ، ثم أمر به فأنزل ، ثم أمر بقدر ، وفي رواية ببقرة من نحاس فأحميت . وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر ، فإذا هو عظام تلوح ، وعرض عليه فأبى ، فأمر به أن يلقى فيها ، فرفع في البكرة ليلقى فيها ، فبكى فطمع فيه ودعاه ، فقال : إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذه القدر الساعة في اللّه ، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في اللّه . وفي بعض الروايات أنه سجنه ومنع منه الطعام والشراب أياما ، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير فلم يقربه ، ثم استدعاه فقال : ما منعك أن تأكل ؟ فقال : أما إنه قد حل لي ، ولكن لم أكن لأشمتك بي ، فقال له الملك : فقبل رأسي وأنا أطلقك ، فقال : وتطلق معي جميع أسارى المسلمين ؟ قال : نعم ، فقبل رأسه فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده ، فلما رجع قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد اللّه بن حذافة ، وأنا أبدأ ، فقام فقبل رأسه رضي اللّه عنهما .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 110 إلى 111 ]

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 110 ) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 111 ) هؤلاء صنف آخر كانوا مستضعفين بمكة مهانين في قومهم فوافقوهم على الفتنة ، ثم إنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان اللّه وغفرانه ، وانتظموا في سلك المؤمنين ، وجاهدوا معهم الكافرين ، وصبروا ، فأخبر تعالى أنه من بعدها ، أي تلك الفعلة وهي الإجابة إلى الفتنة لغفور لهم رحيم بهم يوم معادهم
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ
هامش
( 1 ) المسند 5 / 231 .