تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 516

مساهمون:

ص٥١٦
ثم قال تعالى :
وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا
أي لا تعتاضوا عن الأيمان باللّه عرض الحياة الدنيا وزينتها ، فإنها قليلة ، ولو حيزت لابن آدم الدنيا بحذافيرها لكان ما عند اللّه هو خير له ، أي جزاء اللّه وثوابه خير لمن رجاه وآمن به وطلبه وحفظ عهده رجاء موعوده ، ولهذا قال :
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ
أي يفرغ وينقضي فإنه إلى أجل معدود محصور مقدر متناه
وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ
أي وثوابه لكم في الجنة باق لا انقطاع ولا نفاد له ، فإنه دائم لا يحول ولا يزول
وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
قسم من الرب تعالى مؤكد باللام ، أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم ، أي ويتجاوز عن سيئها .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 97 ]

مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 ) هذا وعد من اللّه تعالى لمن عمل صالحا وهو العمل المتابع لكتاب اللّه تعالى وسنة نبيه صلى اللّه عليه وسلم من ذكر أو أنثى ، من بني آدم وقلبه مؤمن باللّه ورسوله ، وأن هذا العمل المأمور به مشروع من عند اللّه بأن يحييه اللّه حياة طيبة في الدنيا ، وأن يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة ، والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت . وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب . وعن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه فسرها بالقناعة ، وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : أنها هي السعادة . وقال الحسن ومجاهد وقتادة : لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة . وقال الضحاك : هي الرزق الحلال والعبادة في الدنيا ، وقال الضحاك أيضا : هي العمل بالطاعة والانشراح بها ، والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله . كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد « 1 » : حدثنا عبد اللّه بن يزيد ، حدثنا سعيد بن أبي أيوب ، حدثني شرحبيل بن أبي شريك عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد اللّه بن عمرو أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « قد أفلح من أسلم ، ورزق كفافا ، وقنعه اللّه بما آتاه » « 2 » ، ورواه مسلم من حديث عبد اللّه بن يزيد المقري به . وروى الترمذي والنسائي من حديث أبي هانئ عن أبي علي الجنبي ، عن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « قد أفلح من هدي للإسلام ، وكان عيشه كفافا وقنع به » « 3 » . وقال الترمذي : هذا حديث صحيح .
هامش
( 1 ) المسند 2 / 168 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الزكاة حديث 125 ، وابن ماجة في الزهد باب 9 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في الزهد باب 35 ، وابن ماجة في الزهد باب 4 .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 516 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين