تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
ثم قال تعالى :
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً
الآية ، أي عذابا على كفرهم وعذابا على صدهم الناس عن اتباع الحق كقوله تعالى :
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ
[ الأنعام : 26 ] أي ينهون الناس عن اتباعه ويبتعدون هم منه أيضا
وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ
وهذا دليل على تفاوت الكفار في عذابهم كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم ، كما قال تعالى :
قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ
[ الأعراف : 38 ] وقد قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا سريج بن يونس ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش عن عبد اللّه بن مرة ، عن مسروق ، عن عبد اللّه في قول اللّه :
زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ
قال : زيدوا عقارب أنيابها كالنخل الطوال . وحدثنا شريح بن يونس ، حدثنا إبراهيم بن سليمان ، حدثنا الأعمش عن الحسن ، عن ابن عباس في الآية أنه قال :
زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ
قال : هي خمسة أنهار تحت العرش يعذبون ببعضها في الليل وببعضها في النهار .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 89 ]

وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ ( 89 ) يقول تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا صلى اللّه عليه وسلم :
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ
يعني أمتك ، أي اذكر ذلك اليوم وهوله ، وما منحك اللّه فيه من الشرف العظيم والمقام الرفيع ، وهذه الآية شبيهة بالآية التي انتهى إليها عبد اللّه بن مسعود حين قرأ على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صدر سورة النساء ، فلما وصل إلى قوله :
فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً
[ النساء : 41 ] فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « حسبك » فقال ابن مسعود رضي اللّه عنه : فالتفت فإذا عيناه تذرفان « 1 » . وقوله :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
قال ابن مسعود : قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء . وقال مجاهد : كل حلال وكل حرام ، وقول ابن مسعود أعم وأشمل ، فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق وعلم ما سيأتي ، وكل حلال وحرام ، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم
وَهُدىً
أي للقلوب
وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ
. وقال الأوزاعي :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
أي : بالسنة . ووجه اقتران قوله :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ
مع قوله :
وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ
أن المراد - واللّه أعلم - إن الذي فرض عليك تبليغ الكتاب الذي أنزله عليك سائلك عن ذلك يوم القيامة
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
[ الأعراف : 6 ]
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 4 ، باب 9 ، وفضائل القرآن باب 33 ، ومسلم في المسافرين حديث 247 ، 248 ، وأحمد في المسند 1 / 374 ، 380 ، 433 .