تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
التي يسلكها الناس إليه ، فبين أن الحق منها ما هي موصلة إليه فقال :
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ
كقوله
وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ
[ الأنعام : 153 ] وقال :
قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ
[ الحجر : 41 ] . قال مجاهد في قوله :
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ
قال : طريق الحق على اللّه ، وقال السدي ،
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ
الإسلام . وقال العوفي عن ابن عباس في قوله :
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ
يقول : وعلى اللّه البيان ، أي يبين الهدى والضلالة . وكذا روى علي بن أبي طلحة عنه ، وكذا قال قتادة والضحاك ، وقول مجاهد هاهنا أقوى من حيث السياق ، لأنه تعالى أخبر أن ثم طرقا تسلك إليه ، فليس يصل إليه منها إلا طريق الحق وهي الطريق التي شرعها ورضيها ، وما عداها مسدودة والأعمال فيها مردودة ، ولهذا قال تعالى :
وَمِنْها جائِرٌ
أي حائد مائل زائغ عن الحق . قال ابن عباس وغيره : هي الطرق المختلفة والآراء والأهواء المتفرقة كاليهودية والنصرانية والمجوسية ، وقرأ ابن مسعود ومنكم جائر ثم أخبر تعالى أن ذلك كله كائن عن قدرته ومشيئته ، فقال :
وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
كما قال تعالى :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً
[ يونس : 99 ] وقال :
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
[ هود : 118 - 119 ] .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 10 إلى 11 ]

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ( 10 ) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 11 ) لما ذكر تعالى ما أنعم به عليهم من الأنعام والدواب شرع في ذكر نعمته عليهم في إنزال المطر من السماء وهو العلو مما لهم فيه بلغة ومتاع لهم ولأنعامهم ، فقال :
لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ
أي جعله عذبا زلالا يسوغ لكم شرابه ، ولم يجعله ملحا أجاجا
وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ
: أي وأخرج لكم منه شجرا ترعون فيه أنعامكم . كما قال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة وابن زيد في قوله فيه تسيمون ، أي ترعون « 1 » ومنه الإبل السائمة ، والسوم : الرعي . وروى ابن ماجة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن السوم قبل طلوع الشمس « 2 » . وقوله :
يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ
أي يخرجها من الأرض بهذا الماء الواحد على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها وروائحها وأشكالها ،
هامش
( 1 ) انظر تفسير الطبري 7 / 566 ، 567 . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في التجارات باب 29 .