تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
حبلوها أي أوثقوها في الحبل ليذبحوها ، والحظائر والبساتين القريبة من العمران ، وكأن هذا الصنيع وقع بعد إعطائهم العهد ومعاملتهم على الشطر ، واللّه أعلم . فلو صح هذا الحديث لكان نصا في تحريم لحوم الخيل ، ولكن لا يقاوم ما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد اللّه قال : نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية ، وأذن في لحوم الخيل « 1 » . ورواه الإمام أحمد وأبو داود بإسنادين كل منهما على شرط مسلم عن جابر قال : ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير ، فنهانا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل « 2 » . وفي صحيح مسلم عن أسماء بنت أبي بكر رضي اللّه عنهما قالت : نحرنا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرسا فأكلناه ونحن بالمدينة « 3 » ، فهذه أدل وأقوى وأثبت ، وإلى ذلك صار جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم وأكثر السلف والخلف ، واللّه أعلم . وقال عبد الرزاق : أنبأنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال : كانت الخيل وحشية ، فذللها اللّه لإسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ، وذكر وهب بن منبه في إسرائيلياته أن اللّه خلق الخيل من ريح الجنوب ، واللّه أعلم . فقد دل النص على جواز ركوب هذه الدواب ومنها البغال ، وقد أهديت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بغلة فكان يركبها مع أنه قد نهى عن إنزاء الحمر على الخيل لئلا ينقطع النسل . قال الإمام أحمد « 4 » : حدثني محمد بن عبيد ، حدثنا عمر من آل حذيفة عن الشعبي عن دحية الكلبي قال : قلت يا رسول اللّه ، ألا أحمل لك حمارا على فرس فتنتج لك بغلا فتركبها ؟ قال : « إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون » .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 9 ]

وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 9 ) لما ذكر تعالى من الحيوانات ما يسار عليه في السبل الحسية ، نبه على الطرق المعنوية الدينية ، وكثيرا ما يقع في القرآن العبور من الأمور الحسية إلى الأمور المعنوية النافعة الدينية ، كقوله تعالى :
وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
[ البقرة : 197 ] ، وقال تعالى :
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ
[ الأعراف : 26 ] ولما ذكر تعالى في هذه السورة الحيوانات من الأنعام وغيرها التي يركبونها ويبلغون عليها حاجة في صدورهم ، وتحمل أثقالهم إلى البلاد والأماكن البعيدة والأسفار الشاقة ، شرع في ذكر الطرق
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الذبائح باب 28 ، ومسلم في الصيد حديث 23 ، 30 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الأطعمة باب 25 ، وأحمد في المسند 3 / 356 . ( 3 ) أخرجه البخاري في الذبائح باب 24 ، ومسلم في الصيد حديث 38 ، والنسائي في الضحايا باب 33 . ( 4 ) المسند 4 / 311 .