تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 479

مساهمون:

ص٤٧٩
هذا صنف آخر مما خلق تبارك وتعالى لعباده يمتن به عليهم ، وهو الخيل والبغال والحمير التي جعلها للركوب والزينة بها ، وذلك أكبر المقاصد منها ، ولما فصلها من الأنعام ، وأفردها بالذكر ، استدل من استدل من العلماء ممن ذهب إلى تحريم لحوم الخيل بذلك على ما ذهب إليه فيها ، كالإمام أبي حنيفة رحمه اللّه ومن وافقه من الفقهاء بأنه تعالى قرنها بالبغال والحمير وهي حرام ، كما ثبتت به السنة النبوية ، وذهب إليه أكثر العلماء . وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير « 1 » : حدثني يعقوب ، حدثنا ابن علية ، أنبأنا هشام الدستوائي ، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن مولى نافع بن علقمة ، أنّ ابن عباس أنه كان يكره لحوم الخيل والبغال والحمير ، وكان يقول : قال اللّه تعالى :
وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ
فهذه للأكل ،
وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها
فهذه للركوب ، وكذا روي من طريق سعيد بن جبير وغيره عن ابن عباس بمثله ، وقال مثل ذلك الحكم بن عتيبة أيضا رضي اللّه عنه . واستأنسوا بحديث رواه الإمام أحمد « 2 » في مسنده : حدثنا يزيد بن عبد ربه ، حدثنا بقية بن الوليد ، حدثنا ثور بن يزيد عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب ، عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد رضي اللّه عنه قال : نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير « 3 » . وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث صالح بن يحيى بن المقدام وفيه كلام . ورواه أحمد « 4 » أيضا من وجه آخر بأبسط من هذا وأدل منه فقال : حدثنا أحمد بن عبد الملك ، حدثنا محمد بن حرب ، حدثنا سليمان بن سليم ، عن صالح بن يحيى بن المقدام عن جده المقدام بن معد يكرب قال : غزونا مع خالد بن الوليد الصائفة « 5 » ، فقرم « 6 » أصحابنا إلى اللحم فسألوني رمكة فدفعتها إليهم ، فحبلوها وقلت : مكانكم حتى آتي خالدا فأسأله فأتيته فسألته ، فقال : غزونا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غزوة خيبر فأسرع الناس في حظائر يهود فأمرني أن أنادي الصلاة جامعة ، ولا يدخل الجنة إلا مسلم ، ثم قال : « أيها الناس : إنكم قد أسرعتم في حظائر يهود ، ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها وحرام عليكم لحوم الأتن الأهلية وخيلها وبغالها ، وكل ذي ناب من السباع ، وكل ذي مخلب من الطير » والرمكة هي الحجرة ، وقوله
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 7 / 563 . ( 2 ) المسند 4 / 89 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في الأطعمة باب 25 ، والنسائي في الصيد باب 30 ، وابن ماجة في الذبائح باب 14 . ( 4 ) المسند 3 / 356 ، 362 . ( 5 ) الصائفة : الغزوة في الصيف . ( 6 ) قرم : شدة الشهوة إلى اللحم .