تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
صنعتها ، ثم أخذها الناس عنه قرنا بعد قرن ، وجيلا بعد جيل ، يسيرون من قطر إلى قطر ، ومن بلد إلى بلد ، ومن إقليم إلى إقليم ، لجلب ما هناك إلى ما هنا ، وما هنا إلى ما هناك ، ولهذا قال تعالى :
وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
أي نعمه وإحسانه . وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : وجدت في كتابي عن محمد بن معاوية البغدادي ، حدثنا عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عمرو عن سهل بن أبي صالح عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : كلم اللّه البحر الغربي وكلم البحر الشرقي ، فقال للبحر الغربي : إني حامل فيك عبادا من عبادي ، فكيف أنت صانع فيهم ؟ قال : أغرقهم ، فقال : بأسك في نواحيك ، وأحملهم على يدي ، وحرمت الحلية والصيد ، وكلم هذا البحر الشرقي فقال : إني حامل فيك عبادا من عبادي فما أنت صانع بهم ؟ فقال : أحملهم على يدي وأكون لهم كالوالدة لولدها ، فأثابه الحلية والصيد ، ثم قال البزار : لا نعلم من رواه عن سهل غير عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عمرو ، وهو منكر الحديث . وقد رواه سهل عن النعمان بن أبي عياش عن عبد اللّه بن عمر موقوفا . ثم ذكر تعالى الأرض وما ألقى فيها من الرواسي الشامخات ، والجبال الراسيات ، لتقر . الأرض ولا تميد ، أي تضطرب بما عليها من الحيوانات فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك ، ولهذا قال :
وَالْجِبالَ أَرْساها
[ النازعات : 32 ] وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر عن قتادة ، سمعت الحسن يقول : لما خلقت الأرض كانت تميد ، فقالوا : ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا ، فأصبحوا وقد خلقت الجبال ، فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال . وقال سعيد عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عبادة أن اللّه لما خلق الأرض جعلت تمور ، فقالت الملائكة : ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا فأصبحت صبحا وفيها رواسيها . وقال ابن جرير « 1 » : حدثني المثنى ، حدثني حجاج بن منهال ، حدثنا حماد عن عطاء بن السائب ، عن عبد اللّه بن حبيب ، عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال : لما خلق اللّه الأرض قمصت وقالت : أي رب تجعل علي بني آدم يعملون الخطايا ويجعلون علي الخبث ؟ قال : فأرسى اللّه فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون ، فكان إقرارها كاللحم يترجرج . وقوله :
وَأَنْهاراً وَسُبُلًا
أي جعل فيها أنهارا تجري من مكان إلى مكان آخر رزقا للعباد ، ينبغ في موضع وهو رزق لأهل موضع آخر ، فيقطع البقاع والبراري والقفار ، ويخترق الجبال والآكام ، فيصل إلى البلد الذي سخر لأهله وهي سائرة في الأرض يمنة ويسرة ، وجنوبا وشمالا ، وشرقا وغربا ، ما بين صغار وكبار ، وأودية تجري حينا وتنقطع في وقت ، وما بين نبع وجمع ، وقوي السير وبطئه بحسب ما أراد وقدر وسخر ويسر ، فلا إله إلا هو ولا رب سواه ، وكذلك جعل فيها سبلا أي طرقا يسلك فيها من بلاد إلى بلاد حتى إنه تعالى ليقطع الجبل حتى يكون ما بينهما ممرا ومسلكا ، كما قال تعالى :
وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا
[ الأنبياء : 31 ] الآية .
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 7 / 570 .