تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
حتى تدر كما تدر اللقحة ، وكذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة . وقال الضحاك : يبعثها اللّه على السحاب فتلقحه فيمتلئ ماء . وقال عبيد بن عمير الليثي : يبعث اللّه المبشرة فتقم الأرض قما ، ثم يبعث اللّه المثيرة فتثير السحاب ، ثم يبعث اللّه المؤلفة فتؤلف السحاب ، ثم يبعث اللّه اللواقح فتلقح الشجر ، ثم تلا
وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ
. وقد روى ابن جرير « 1 » من حديث عبيس بن ميمون عن أبي المهزم عن أبي هريرة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « الريح الجنوب من الجنة ، وهي التي ذكر اللّه في كتابه ، وفيها منافع للناس » وهذا إسناد ضعيف ، وقال الإمام أبو بكر عبد اللّه بن الزبير الحميدي في مسنده . حدثنا سفيان ، حدثنا عمرو بن دينار ، أخبرني يزيد بن جعدية الليثي أنه سمع عبد الرحمن بن مخراق يحدث عن أبي ذر ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه خلق في الجنة ريحا بعد الريح بسبع سنين ، وإن من دونها بابا مغلقا ، وإنما يأتيكم الريح من ذلك الباب ، ولو فتح لأذرت ما بين السماء والأرض من شيء ، وهي عند اللّه الأزيب « 2 » ، وهي فيكم الجنوب » . وقوله :
فَأَسْقَيْناكُمُوهُ
أي أنزلناه لكم عذبا يمكنكم أن تشربوا منه لو نشاء جعلناه أجاجا ، كما نبه على ذلك في الآية الأخرى في سورة الواقعة ، وهو قوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ
[ الواقعة : 68 ] ، وفي قوله :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ
[ النحل : 10 ] . وقوله :
وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ
قال سفيان الثوري : بما نعين ، ويحتمل أن المراد وما أنتم له بحافظين ، بل نحن ننزله ونحفظه عليكم ونجعله معينا وينابيع في الأرض ، ولو شاء تعالى لأغاره وذهب به ، ولكن من رحمته أنزله وجعله عذبا ، وحفظه في العيون والآبار والأنهار وغير ذلك ، ليبقى لهم في طول السنة يشربون ويسقون أنعامهم وزروعهم وثمارهم . وقوله :
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ
إخبار عن قدرته تعالى على بدء الخلق وإعادته ، وأنه هو الذي أحيا الخلق من العدم ، ثم يميتهم ثم يبعثهم كلهم ليوم الجمع ، وأخبر أنه تعالى يرث الأرض ومن عليها ، وإليه يرجعون ، ثم أخبر تعالى عن تمام علمه بهم أولهم وآخرهم ، فقال :
وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ
الآية ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : المستقدمون كل من هلك من لدن آدم عليه السلام ، والمستأخرون من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة ، وروي نحوه عن عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة ومحمد بن كعب والشعبي وغيرهم ، وهو اختيار ابن جرير « 3 » رحمه اللّه .
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 7 / 506 ، وفيه : عيسى بن ميمون بدل عبيس بن ميمون . ( 2 ) الأزيب : رياح الجنوب ، وتسمى النكهاء تجري بينها وبين الصبا . ( 3 ) تفسير الطبري 7 / 507 ، 508 .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 456 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين