تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ
يحتمل أن تكون عاطفة على جنات ، فيكون
وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ
مرفوعين . ويحتمل أن يكون معطوفا على أعناب ، فيكون مجرورا ، ولهذا قرأ بكل منهما طائفة من الأئمة . وقوله :
صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ
الصنوان : هو الأصول المجتمعة في منبت واحد ، كالرمان والتين ، وبعض النخيل ونحو ذلك ، وغير الصنوان : ما كان على أصل واحد ، كسائر الأشجار ، ومنه سمي عم الرجل صنو أبيه ، كما جاء في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لعمر : « أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه » « 1 » . وقال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن البراء رضي اللّه عنه : الصنوان هي النخلات في أصل واحد ، وغير الصنوان المتفرقات ، وقاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد . وقوله :
يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ
قال الأعمش عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم
وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ
قال « الدقل « 2 » ، والفارسي ، والحلو ، والحامض » « 3 » ، رواه الترمذي وقال : حسن غريب ، أي هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها ، وطعومها وروائحها ، وأوراقها وأزهارها ، فهذا في غاية الحلاوة ، وهذا في غاية الحموضة ، وذا في غاية المرارة ، وذا عفص « 4 » ، وهذا عذب ، وهذا جمع هذا وهذا ، ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن اللّه تعالى ، وهذا أصفر ، وهذا أحمر ، وهذا أبيض ، وهذا أسود ، وهذا أزرق ، وكذلك الزهورات مع أنها كلها تستمد من طبيعة واحدة وهو الماء ، مع الاختلاف الكثير الذي لا ينحصر ولا ينضبط ففي ذلك آيات لمن كان واعيا ، وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار الذي بقدرته فاوت بين الأشياء ، وخلقها على ما يريد ، ولهذا قال تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
.

[ سورة الرعد ( 13 ) : آية 5 ]

وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 5 ) يقول تعالى لرسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم :
وَإِنْ تَعْجَبْ
من تكذيب هؤلاء المشركين بالمعاد ، مع ما يشاهدونه من آيات اللّه سبحانه ودلائله في خلقه على أنه القادر على ما يشاء ، ومع ما يعترفون به من أنه ابتدأ خلق الأشياء فكونها بعد أن لم تكن شيئا مذكورا ، ثم هم بعد هذا
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الزكاة حديث 11 ، وأبو داود في الزكاة باب 22 ، والترمذي في المناقب باب 28 ، وأحمد في المسند 1 / 94 ، 2 / 322 ، 4 / 165 . ( 2 ) الدقل : أردأ أنواع التمر . ( 3 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 13 ، باب 2 . ( 4 ) العفص : المر ، والعفوصة : المرارة .