تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
[ الأحقاف : 9 ] الآية . وقوله :
مِنْ أَهْلِ الْقُرى
المراد بالقرى المدن لا أنهم من أهل البوادي الذين هم من أجفى الناس طباعا وأخلاقا ، وهذا هو المعهود المعروف أن أهل المدن أرق طباعا وألطف من أهل سوادهم ، وأهل الريف والسواد أقرب حالا من الذين يسكنون في البوادي ، ولهذا قال تعالى :
الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً
الآية . وقال قتادة في قوله
مِنْ أَهْلِ الْقُرى
لأنهم أعلم وأحلم من أهل العمور . وفي الحديث الآخر أن رجلا من الأعراب أهدى لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ناقة فلم يزل يعطيه ويزيده حتى رضي ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لقد هممت أن لا أتهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي » « 1 » . وقال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا حجاج ، حدثنا شعبة عن الأعمش عن يحيى بن وثاب ، عن شيخ من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال الأعمش : هو ابن عمر ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم . وقوله :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
يعني هؤلاء المكذبين لك يا محمد في الأرض
فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
أي من الأمم المكذبة للرسل ، كيف دمر اللّه عليهم وللكافرين أمثالها ، كقوله :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها
[ الحج : 46 ] الآية ، فإذا استمعوا خبر ذلك رأوا أن اللّه قد أهلك الكافرين ونجى المؤمنين ، وهذه كانت سنته تعالى في خلقه ، ولهذا قال تعالى :
وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا
أي وكما نجينا المؤمنين في الدنيا كذلك كتبنا لهم النجاة في الدار الآخرة وهي خير لهم من الدنيا بكثير ، كقوله :
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
[ غافر : 40 - 41 ] وأضاف الدار إلى الآخرة ، فقال :
وَلَدارُ الْآخِرَةِ
كما يقال : صلاة الأولى ومسجد الجامع ، وعام أول ، وبارحة الأولى ، ويوم الخميس . وقال الشاعر : [ الوافر ]
أتمدح فقعسا وتذم عبسا * ألا للّه أمك من هجين « 3 » ولو أقوت عليك ديار عبس * عرفت الذل عرفان اليقين

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 110 ]

حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 110 ) يذكر تعالى أن نصره ينزل على رسله صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين عند ضيق الحال وانتظار الفرج من اللّه في أحوج الأوقات إليه ، كقوله تعالى :
وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 295 ، 2 / 247 . ( 2 ) المسند 2 / 43 ، 5 / 365 . ( 3 ) البيتان بلا نسبة في تفسير الطبري 7 / 316 .