تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
لما اتهمهم أولئك الفتيان بالسرقة ، قال لهم إخوة يوسف
تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ
أي لقد تحققتم وعلمتم منذ عرفتمونا ، لأنهم شاهدوا منهم سيرة حسنة أنا
ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ
أي ليست سجايانا تقتضي هذه الصفة ، فقال لهم الفتيان
فَما جَزاؤُهُ
أي السارق إن كان فيكم
إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ
أي : أي شيء يكون عقوبته إن وجدنا فيكم من أخذه ؟
قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ
وهكذا كانت شريعة إبراهيم عليه السلام ، أن السارق يدفع إلى المسروق منه ، وهذا هو الذي أراد يوسف عليه السلام ، ولهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ، أي فتشها قبله تورية ،
ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ
فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم ، وإلزاما لهم بما يعتقدونه ، ولهذا قال تعالى :
كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ
وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه اللّه ويرضاه ، لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة . وقوله :
ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ
أي لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر قاله الضحاك وغيره ، وإنما قيض اللّه له أن التزم له إخوته بما التزموه ، وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم ، ولهذا مدحه اللّه تعالى فقال :
نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ
كما قال تعالى :
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
[ المجادلة : 11 ] الآية .
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
قال الحسن البصري : ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى اللّه عز وجل ، وكذا روى عبد الرزاق عن سفيان الثوري ، عن عبد الأعلى الثعلبي ، عن سعيد بن جبير ، قال : كما عند ابن عباس فحدث بحديث عجيب ، فتعجب رجل فقال : الحمد للّه
فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
، فقال ابن عباس : بئس ما قلت : اللّه العليم فوق كل عالم ، وكذا روى سماك عن عكرمة ، عن ابن عباس
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
قال : يكون هذا أعلم من هذا ، وهذا أعلم من هذا ، واللّه فوق كل عالم ، وهكذا قال عكرمة ، وقال قتادة : وفوق كل ذي علم عليم ، حتى ينتهي العلم إلى اللّه ، منه بدئ ، وتعلمت العلماء ، وإليه يعود ، وفي قراءة عبد اللّه ، وفوق كل عالم عليم .

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 77 ]

قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ ( 77 ) وقال إخوة يوسف لما رأوا الصواع قد أخرج من متاع بنيامين
إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ
يتنصلون إلى العزيز من التشبه به ، ويذكرون أن هذا فعل كما فعل أخ له من قبل ، يعنون به يوسف عليه السلام . قال سعيد بن جبير ، عن قتادة : كان يوسف عليه السلام قد سرق صنما لجده أبي أمه فكسره ، وقال محمد بن إسحاق ، عن عبد اللّه بن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق ، وكانت أكبر ولد
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 344 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين