تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
يقول تعالى مخبرا عن قول يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه الرؤيا التي تعبيرها خضوع إخوته له ، وتعظيمهم إياه تعظيما زائدا بحيث يخرون له ساجدين إجلالا واحتراما وإكراما ، فخشي يعقوب عليه السلام أن يحدث بهذا المنام ، أحدا من إخوته فيحسدونه على ذلك ، فيبغون له الغوائل حسدا منهم له ، ولهذا قال له :
لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً
أي يحتالوا لك حيلة يردونك فيها . ولهذا ثبتت السنة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال « إذا رأى أحدكم ما يحب فليحدث به ، وإذا رأى ما يكره فليتحول إلى جنبه الآخر ، وليتفل عن يساره ثلاثا ، وليستعذ باللّه من شرها ، ولا يحدث بها أحدا فإنها لن تضره » « 1 » وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن من رواية معاوية بن حيدة ، القشيري أنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر ، فإذا عبرت وقعت » « 2 » ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر ، كما ورد في حديث « استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها ، فإن كل ذي نعمة محسود » .

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 6 ]

وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 6 ) يقول تعالى مخبرا عن قول يعقوب لولده يوسف : إنه كما اختارك ربك وأراك هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدة لك
كَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ
أي يختارك ويصطفيك لنبوته
وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
قال مجاهد وغير واحد : يعني تعبير الرؤيا « 3 »
وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
أي بإرسالك والإيحاء إليك ، ولهذا قال :
كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ
وهو الخليل
وَإِسْحاقَ
ولده وهو الذبيح في قول ، وليس بالرجيح
إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
أي هو أعلم حيث يجعل رسالته ، كما قال في الآية الأخرى .

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 7 إلى 10 ]

لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ ( 7 ) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 8 ) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ ( 9 ) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 10 ) يقول تعالى : لقد كان في قصة يوسف وخبره مع إخوته آيات ، أي عبرة ومواعظ للسائلين
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في السنة باب 18 ، والأدب باب 88 ، وابن ماجة في الرؤيا باب 4 ، والدارمي في الرؤيا باب 5 ، وأحمد في المسند 5 / 296 ، 303 ، 309 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الأدب باب 88 ، وابن ماجة في الرؤيا باب 6 ، وأحمد في المسند 4 / 10 . ( 3 ) انظر تفسير الطبري 7 / 151 .