تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
عن ذلك المستخبرين عنه ، فإنه خبر عجيب يستحق أن يخبر عنه
إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا
أي حلفوا فيما يظنون واللّه ليوسف وأخوه ، يعنون بنيامين وكان شقيقه لأمه
أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ
أي جماعة ، فكيف أحب ذينك الاثنين أكثر من الجماعة
إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ
يعنون في تقديمهما علينا ، ومحبته إياهما أكثر منا . واعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف ، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك ، ومن الناس من يزعم أنهم أوحي إليهم بعد ذلك ، وفي هذا نظر ، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل ، ولم يذكروا سوى قوله تعالى :
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ
وهذا فيه احتمال لأن بطون بني إسرائيل يقال لهم الأسباط ، كما يقال للعرب قبائل وللعجم شعوب ، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل فذكرهم إجمالا لأنهم كثيرون ، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف ، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم ، واللّه أعلم .
اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ
يقولون : هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم أعدموه من وجه أبيكم ، ليخلو لكم وحدكم ، إما بأن تقتلوه أو تلقوه في أرض من الأراضي تستريحوا منه ، وتخلوا أنتم بأبيكم
وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ
فأضمروا التوبة قبل الذنب
قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ
قال قتادة ومحمد بن إسحاق : وكان أكبرهم واسمه روبيل . وقال السدي : الذي قال ذلك ، يهوذا . وقال مجاهد هو شمعون الصفا .
لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ
أي لا تصلوا في عداوته وبغضه إلى قتله ، ولم يكن لهم سبيل إلى قتله لأن اللّه تعالى كان يريد منه أمرا لا بد من إمضائه وإتمامه من الإيحاء إليه بالنبوة ، ومن التمكين له ببلاد مصر والحكم بها ، فصرفهم اللّه عنه بمقالة روبيل فيه وإشارته عليهم بأن يلقوه في غيابة الجب وهو أسفله . قال قتادة : وهي بئر بيت المقدس
يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ
أي المارة من المسافرين فتستريحوا منه بهذا ولا حاجة إلى قتله
إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
أي إن كنتم عازمين على ما تقولون . قال محمد بن إسحاق بن يسار : لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطيعة الرحم ، وعقوق الوالد ، وقلة الرأفة بالصغير الضرع الذي لا ذنب له ، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل ، وخطره عند اللّه مع حق الوالد على ولده ، ليفرقوا بينه وبين أبيه وحبيبه على كبر سنه ورقة عظمه ، مع مكانه من اللّه فيمن أحبه طفلا صغيرا ، وبين ابنه على ضعف قوته وصغر سنه وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه ، يغفر اللّه لهم وهو أرحم الراحمين ، فقد احتملوا أمرا عظيما رواه ابن أبي حاتم من طريق سلمة بن الفضل عنه .

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 11 إلى 12 ]

قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ ( 11 ) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 12 )