وقوله :
وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
، يقول تعالى ذاكرا لطفه ورحمته وعائدته وإنزاله اليسر في حال العسر : إنه أوحى إلى يوسف في ذلك الحال الضيق تطييبا لقلبه وتثبيتا له ، إنك لا تحزن مما أنت فيه ، فإن لك من ذلك فرجا ومخرجا حسنا ، وسينصرك اللّه عليهم ويعليك ويرفع درجتك وستخبرهم بما فعلوا معك من هذا الصنيع ، وقوله :
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
. قال مجاهد وقتادة :
وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
بإيحاء اللّه إليه .
وقال ابن عباس : ستنبئهم بصنيعهم هذا في حقك ، وهم لا يعرفونك ولا يستشعرون بك ، كما قال ابن جرير « 1 » : حدثني الحارث ، حدثنا عبد العزيز ، حدثنا صدقة بن عبادة الأسدي عن أبيه ، سمعت ابن عباس يقول : لما دخل إخوة يوسف عليه فعرفهم وهم له منكرون ، قال :
جيء بالصواع « 2 » فوضعه على يده ، ثم نقره فطن ، فقال : إنه ليخبرني هذا الجام « 3 » أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف ، يدنيه دونكم ، وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غيابة الجب ، قال :
ثم نقره فطن ، قال : فأتيتم أباكم فقلتم : إن الذئب أكله وجئتم على قميصه بدم كذب ، قال :
فقال بعضهم لبعض : إن هذا الجام ليخبره بخبركم . قال ابن عباس : فلا نرى هذه الآية نزلت إلا فيهم
لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ
.
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 16 إلى 18 ]
وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ( 16 ) قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ ( 17 ) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ( 18 )
يقول تعالى مخبرا عن الذي اعتمده إخوة يوسف بعد ما ألقوه في غيابة الجب ، ثم رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل يبكون ويظهرون الأسف والجزع على يوسف ويتغممون لأبيهم ، وقالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا
إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ
أي نترامى ،
وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا
أي ثيابنا وأمتعتنا ،
فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ
، وهو الذي كان قد جزع منه وحذر عليه .
وقوله :
وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ
تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه ، يقولون : ونحن نعلم أنك لا تصدقنا والحالة هذه لو كنا عندك صادقين ، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك ، لأنك خشيت أن يأكله الذئب ، فأكله الذئب ، فأنت معذور في تكذيبك لنا لغرابة ما وقع ، وعجيب ما اتفق لنا في أمرنا هذا
وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ
أي مكذوب مفترى ، وهذا من الأفعال التي يؤكدون بها ما تمالئوا عليه من المكيدة ، وهو أنهم عمدوا إلى
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 7 / 159 .
( 2 ) الصواع : مكيال ، يكال به .
( 3 ) الجام إناء من فضة .