تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
قال الإمام أحمد « 1 » : أنبأنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد اللّه بن عبد اللّه ، عن رجل من الأنصار : أنه جاء بأمة سوداء ، فقال : يا رسول اللّه : إن علي عتق رقبة مؤمنة ، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها ، فقال لها رسول اللّه : « أتشهدين أن لا إله إلا اللّه ؟ » قالت : نعم . قال : « أتشهدين أني رسول اللّه ؟ » قالت : نعم . قال : « أتؤمنين بالبعث بعد الموت ؟ » قالت : نعم . قال : « أعتقها » . وهذا إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره ، وفي موطأ مالك ومسند الشافعي وأحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي من طريق هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار ، عن معاوية بن الحكم : أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء ، قال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أين اللّه ؟ قالت : في السماء . قال : « من أنا » قالت : رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « أعتقها ، فإنها مؤمنة » « 2 » . وقوله :
وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ
هو الواجب الثاني فيما بين القاتل وأهل القتيل عوضا لهم عما فاتهم من قتيلهم ، وهذه الدية إنما تجب أخماسا ، كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث الحجاج بن أرطاة عن زيد بن جبير ، عن خشف بن مالك ، عن ابن مسعود ، قال : قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في دية الخطأ عشرين بنت مخاض ، وعشرين بني مخاض ذكورا ، وعشرين بنت لبون ، وعشرين جذعة ، وعشرين حقة « 3 » ، لفظ النسائي قال الترمذي : لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه ، وقد روي عن عبد اللّه موقوفا ، كما روي عن علي وطائفة ، وقيل : تجب أرباعا وهذه الدية على العاقلة لا في ماله . قال الشافعي رحمه اللّه : لم أعلم مخالفا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قضى بالدية على العاقلة « 4 » وهو أكثر من حديث الخاصة ، وهذا الذي أشار إليه رحمه اللّه قد ثبت في غير ما حديث ، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال : اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقضى أن دية جنينها غرة « 5 » عبد أو أمة ، وقضى بدية المرأة على عاقلتها وهذا يقتضي أن حكم عمد الخطأ حكم المحض في وجوب الدية ، لكن هذا تجب فيه الدية أثلاثا لشبهة العمد . وفي صحيح البخاري عن عبد اللّه بن عمر قال : بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا ، فجعلوا يقولون : صبأنا صبأنا فجعل
هامش
( 1 ) مسند أحمد 3 / 451 . ( 2 ) مسند أحمد 5 / 447 . ( 3 ) الحقة : هي الداخلة في السنة الرابعة . وابن اللبون : ما دخل في الثالثة . وابن المخاض ما دخل في الثانية . والجذعة : ما تمّ له أربع سنوات . ( 4 ) عاقلة الرجل : عصبته ، وهم القرابة من جهة الأب الذين يشتركون في دفع ديته . ( 5 ) الغرة من القوم : شريفهم وسيدهم . ومن المتاع : خياره ورأسه .