[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 92 إلى 93 ]
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 92 ) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً ( 93 )
يقول تعالى : ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه ، وكما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأني رسول اللّه ، إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والتارك لدينه المفارق للجماعة » « 1 » ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث ، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله ، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه ، وقوله :
إِلَّا خَطَأً
قالوا : هو استثناء منقطع ، كقول الشاعر : [ الطويل ]
من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ * على الأرض إلا ريط برد مرحّل « 2 »
ولهذا شواهد كثيرة . واختلف في سبب نزول هذه ، فقال مجاهد وغير واحد : نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه وهي أسماء بنت مخرمة ، وذلك أنه قتل رجلا يعذبه مع أخيه على الإسلام وهو الحارث بن يزيد الغامدي ، فأضمر له عياش السوء ، فأسلم ذلك الرجل وهاجر وعياش لا يشعر ، فلما كان يوم الفتح رآه فظن أنه على دينه فحمل عليه فقتله ، فأنزل اللّه هذه الآية ، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : نزلت في أبي الدرداء لأنه قتل رجلا وقد قال كلمة الإيمان حين رفع عليه السيف ، فأهوى به إليه فقال كلمته ، فلما ذكر ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : إنما قالها متعوذا فقال له : هل شققت عن قلبه ؟ وهذه القصة في الصحيح لغير أبي الدرداء « 3 » .
وقوله :
وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ
هذان واجبان في قتل الخطأ ، أحدهما الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم وإن كان خطأ ، ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة فلا تجزئ الكافرة ، وحكى ابن جرير عن ابن عباس والشعبي وإبراهيم النخعي والحسن البصري أنهم قالوا : لا يجزئ الصغير حتى يكون قاصدا للإيمان ، وروي من طريق عبد الرزاق عن معمر ، عن قتادة ، قال : في حرف ، فتحرير رقبة مؤمنة لا يجزئ فيها صبي ، واختار ابن جرير « 4 » أنه إن كان مولودا بين أبوين مسلمين أجزأ وإلا فلا ، والذي عليه الجمهور أنه متى كان مسلما صح عتقه عن الكفارة سواء كان صغيرا أو كبيرا .
هامش
( 1 ) صحيح البخاري ( ديات باب 6 ) وصحيح مسلم ( قسامة حديث 25 - 26 ) وسنن الترمذي ( حدود باب 15 ) وسنن أبي داود ( حدود باب 1 )
( 2 ) البيت لجرير في ديوانه ص 457 وتفسير الطبري 4 / 205 . والريط : الملاءة . والمرحّل : الموشّى . قال ابن جرير الطبري : ولم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل البرد ، وليس ذيل البرد من الأرض .
( 3 ) وردت هذه القصة بشأن المقداد بن الأسود في رواية مسند أحمد 4 / 438 .
( 4 ) تفسير الطبري 4 / 207 .