تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن التي تجري فيها الأنهار في جميع فجاجها ، ومحالها وأرجائها حيث شاءوا وأين أرادوا وهم خالدون فيها أبدا لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولا . وقوله :
لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ
أي من الحيض والنفاس والأذى والأخلاق الرذيلة ، والصفات الناقصة ، كما قال ابن عباس : مطهرة من الأقذار والأذى . وكذا قال عطاء والحسن والضحاك والنخعي وأبو صالح وعطية والسدي . وقال مجاهد : مطهرة من البول والحيض والنخام والبزاق والمني والولد . وقال قتادة : مطهرة من الأذى والمآثم ، ولا حيض ولا كلف . وقوله
وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا
أي ظلا عميقا كثيرا غزيرا طيبا أنيقا . قال ابن جرير « 1 » : حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، وحدثنا ابن المثنى ، حدثنا ابن جعفر ، قالا : حدثنا شعبة ، قال : سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال « إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها : شجرة الخلد » .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 58 ]

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً ( 58 ) يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها . وفي حديث الحسن عن سمرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك » رواه الإمام أحمد وأهل السنن ، وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق اللّه عز وجل على عباده من الصلوات والزكوات والصيام والكفارات والنذور وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه ولا يطلع عليه العباد ، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة على ذلك ، فأمر اللّه عز وجل بأدائها ، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة ، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء » « 2 » . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ، حدثنا وكيع عن سفيان ، عن عبد اللّه بن السائب ، عن زاذان ، عن عبد اللّه بن مسعود ، قال : إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة ، يؤتى بالرجل يوم القيامة ، وإن كان قتل في سبيل اللّه ، فيقال : أد أمانتك ، فيقول فأنى أؤديها وقد ذهبت الدنيا ؟ فتمثل له الأمانة في قعر جهنم فيهوي إليها فيحملها على عاتقه ، قال : فتنزل عن عاتقه فيهوي على أثرها أبد الآبدين . قال زاذان : فأتيت البراء فحدثته ، فقال : صدق أخي :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
. وقال سفيان الثوري عن ابن أبي ليلى ، عن رجل عن ابن عباس في الآية ، قال : هي مبهمة
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 4 / 147 . ( 2 ) مسند أحمد 2 / 235 . والشاة الجماء : التي ذهب قرناها .