تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 53 إلى 55 ]

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً ( 53 ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ( 54 ) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ( 55 ) يقول تعالى : أم لهم نصيب من الملك ، وهذا استفهام إنكاري ، أي ليس لهم نصيب من الملك ثم وصفهم بالبخل ، فقال :
فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً
، أي لأنهم لو كان لهم نصيب في الملك والتصرف لما أعطوا أحدا من الناس ولا سيما محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم شيئا ، ولا ما يملأ النقير وهو النقطة التي في النواة في قول ابن عباس والأكثرين . وهذه الآية كقوله تعالى :
قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ
[ لإسراء : 100 ] أي خوف أن يذهب ما بأيديكم مع أنه لا يتصور نفاده وإنما هو من بخلكم وشحكم ، ولهذا قال تعالى :
وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً
[ الإسراء : 100 ] أي بخيلا ، ثم قال
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
يعني بذلك حسدهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ما رزقه اللّه من النبوة العظيمة ، ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له ، لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل . وقال الطبراني : حدثنا محمد بن عبد اللّه الحضرمي ، حدثنا يحيى الحماني ، حدثنا قيس بن الربيع عن السدي ، عن عطاء ، عن ابن عباس في قوله
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ
الآية ، قال ابن عباس : نحن الناس دون الناس ، قال اللّه تعالى :
فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً
أي فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل ، الذين هم من ذرية إبراهيم النبوة وأنزلنا عليهم الكتب وحكموا فيهم بالسنن ، وهي الحكمة ، وجعلنا منهم الملوك ومع هذا
فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ
، أي بهذا الإيتاء وهذا الإنعام ،
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ
أي كفر به وأعرض عنه وسعى في صد الناس عنه ، وهو منهم ومن جنسهم أي من بني إسرائيل . فقد اختلفوا عليهم ، فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل ؟ وقال مجاهد :
فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ
، أي بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ،
وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ
، فالكفرة منهم أشد تكذيبا لك ، وأبعد عما جئتهم به من الهدى ، والحق المبين ، ولهذا قال متوعدا لهم
وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً
أي وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب اللّه ورسله .

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 56 إلى 57 ]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً ( 56 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ( 57 ) يخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصد عن رسله ، فقال
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا
الآية ، أي ندخلهم نارا دخولا يحيط بجميع أجرامهم وأجزائهم ، ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم ، فقال
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
قال الأعمش عن ابن عمر : إذا احترقت جلودهم بدلوا جلودا غيرها بيضاء أمثال القراطيس ،