تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
ما يريده منها مما أباحه اللّه له منها ، فلا سبيل له عليها بعد ذلك ، وليس له ضربها ولا هجرانها . وقوله
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً
تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب ، فإن اللّه العلي الكبير وليهن ، وهو ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 35 ]

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً ( 35 ) ذكر الحال الأول وهو إذا كان النفور والنشوز من الزوجة . ثم ذكر الحال الثاني وهو إذا كان النفور من الزوجين ، فقال تعالى :
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها
وقال الفقهاء : إذا وقع الشقاق بين الزوجين ، أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة ينظر في أمرهما ويمنع الظالم منهما من الظلم ، فإن تفاقم أمرهما وطالت خصومتهما ، بعث الحاكم ثقة من أهل المرأة وثقة من قوم الرجل ليجتمعا فينظرا في أمرهما ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق ، وتشوف الشارع إلى التوفيق ، ولهذا قال تعالى :
إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما
. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : أمر اللّه عز وجل أن يبعثوا رجلا صالحا من أهل الرجل . ورجلا مثله من أهل المرأة ، فينظران أيهما المسئ ، فإن كان الرجل هو المسئ حجبوا عنه امرأته وقصروه « 1 » على النفقة ، وإن كانت المرأة هي المسيئة ، قصروها على زوجها ومنعوها النفقة ، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا ، فأمرهما جائز ، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره الآخر ، ثم مات أحدهما ، فإن الذي رضي يرث الذي لم يرض ولا يرث الكاره الراضي ، رواه ابن أبي حاتم وابن جرير . وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن ابن طاوس ، عن عكرمة بن خالد ، عن ابن عباس ، قال : بعثت أنا ومعاوية حكمين ، قال معمر : بلغني أن عثمان بعثهما وقال لهما : إن رأيتما أن تجمعا جمعتما ، وإن رأيتما أن تفرقا ففرقا ، وقال : أنبأنا ابن جريج ، حدثني ابن أبي مليكة أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة ، فقالت : تصير إلي وأنفق عليك ، فكان إذا دخل عليها قالت : أين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ؟ ، فقال : على يسارك في النار إذا دخلت ، فشدت عليها ثيابها فجاءت عثمان فذكرت له ذلك ، فضحك ، فأرسل ابن عباس ومعاوية ، فقال ابن عباس ، لأفرقن بينهما ، فقال معاوية : ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف ، فأتياهما فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما فرجعا ، وقال عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة قال : شهدت عليا وجاءته امرأة وزوجها مع
هامش
( 1 ) ألزموه بها .