تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
وقال السدي في الآية : فإن الرجال قالوا : نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء ، كما لنا في السهام سهمان ، وقالت النساء : نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الشهداء ، فإنا لا نستطيع أن نقاتل ، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا ، فأبى اللّه ذلك ولكن قال لهم : سلوني من فضلي ، قال : ليس بعرض الدنيا ، وقد روي عن قتادة نحو ذلك . وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في الآية ، قال : ولا يتمنى الرجل فيقول : ليت لو أن لي مال فلان وأهله ، فنهى اللّه عن ذلك ، ولكن ليسأل اللّه من فضله وقال الحسن ومحمد بن سيرين وعطاء والضحاك ، نحو هذا ؛ وهو الظاهر من الآية ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح « لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه اللّه مالا فسلطه على هلكته في الحق فيقول رجل : لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثله فهما في الأجر سواء » ، فإن هذا شيء غير ما نهت عنه الآية ، وذلك أن الحديث حض على تمني مثل نعمة هذا ، والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا ، فقال
وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ
أي في الأمور الدنيوية ، وكذا الدينية أيضا ، لحديث أم سلمة وابن عباس . وهكذا قال عطاء بن أبي رباح : نزلت في النهي عن تمني ما لفلان ، وفي تمني النساء أن يكن رجالا فيغزون ، رواه ابن جرير . ثم قال
لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ
أي كل له جزاء على عمله بحسبه إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، هذا قول ابن جرير « 1 » . وقيل : المراد بذلك في الميراث ، أي كل يرث بحسبه ، رواه الترمذي عن ابن عباس . ثم أرشدهم إلى ما يصلحهم ، فقال
وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ
لا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض ، فإن هذا أمر محتوم ، والتمني لا يجدي شيئا ، ولكن سلوني من فضلي أعطكم ، فإني كريم وهاب ، وقد روى الترمذي وابن مردويه من حديث حماد بن واقد ، سمعت إسرائيل عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد اللّه بن مسعود ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « سلوا اللّه من فضله ، فإن اللّه يحب أن يسأل ، وإن أفضل العبادة انتظار الفرج » ثم قال الترمذي : كذا رواه حماد بن واقد ، وليس بالحافظ ، ورواه أبو نعيم عن إسرائيل ، عن حكيم بن جبير ، عن رجل ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح ، وكذا رواه ابن مردويه من حديث وكيع عن إسرائيل ، ثم رواه من حديث قيس بن الربيع عن حكيم بن جبير ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « سلوا اللّه من فضله ، فإن اللّه يحب أن يسأل ، وإن أحب عباده إليه الذي يحب الفرج » . ثم قال
إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً
أي هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها ، وبمن يستحق الفقر فيفقره ، وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيضه لأعمالها ، وبمن يستحق الخذلان
هامش
( 1 ) تفسير الطبري 4 / 51 .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 251 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين