تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
أي تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن ، وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . وقوله
ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
أضافه إليه ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم ، لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلا كثيرا ، كما قال الشاعر : [ الخفيف ]
إن يعذّب يكن غراما وإن يعط * جزيلا فإنه لا يبالي « 1 »
وقوله تعالى :
وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ
أي عنده حسن الجزاء لمن عمل صالحا . قال ابن أبي حاتم : ذكر عن دحيم بن إبراهيم قال : قال الوليد بن مسلم ، أخبرني حريز بن عثمان أن شداد بن أوس كان يقول : يا أيها الناس ، لا تتهموا اللّه في قضائه ، فإنه لا يبغي على مؤمن ، فإذا أنزل بأحدكم شيء مما يحب ، فليحمد اللّه ، وإذا أنزل به شيء مما يكره ، فليصبر وليحتسب ، فإن اللّه عنده حسن الثواب .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 196 إلى 198 ]

لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ( 196 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 197 ) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ ( 198 ) يقول تعالى : لا تنظروا إلى ما هؤلاء الكفار مترفون فيه من النعمة والغبطة والسرور ، فعما قليل يزول هذا كله عنهم ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة ، فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجا ، وجميع ما هم فيه
مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ
وهذه الآية كقوله تعالى :
ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ
[ غافر : 4 ] ، وقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ
[ يونس : 69 - 70 ] ، وقال تعالى :
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ
[ لقمان : 24 ] وقال تعالى :
فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً
[ الطارق : 17 ] أي قليلا ، وقال تعالى :
أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
[ القصص : 61 ] وهكذا لما ذكر حال الكفار في الدنيا وذكر أن مآلهم إلى النار ، قال بعده
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ
. وقال ابن مردويه : حدثنا أحمد بن نصر ، حدثنا أبو طاهر سهل بن عبد اللّه ، أنبأنا هشام بن عمار ، أنبأنا سعيد بن يحيى ، أنبأنا عبيد اللّه بن الوليد الوصافي عن محارب بن دثار ، عن
هامش
( 1 ) الرواية المشهورة : « إن يعاقب » . والبيت للأعشى في ديوانه ص 59 ولسان العرب ( غرم ) ومقاييس اللغة 4 / 419 وتاج العروس ( غرم ) . والغرام : هو اللازم من العذاب والبلاء . وقال الزجاج : هو أشد العذاب في اللغة .
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 169 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين