تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
باطِلًا
أي ما خلقت هذا الخلق عبثا ، بل بالحق لتجزي الذين أساؤوا بما عملوا ، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى . ثم نزهوه عن العبث وخلق الباطل ، فقالوا
سُبْحانَكَ
أي عن أن تخلق شيئا باطلا
فَقِنا عَذابَ النَّارِ
أي يا من خلق الخلق بالحق والعدل ، يا من هو منزه عن النقائص والعيب والعبث ، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك وقيضنا لأعمال ترضى بها عنا ، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم ، وتجيرنا به من عذابك الأليم . ثم قالوا
رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ
أي أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع
وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ
أي يوم القيامة لا مجير لهم منك . ولا محيد لهم عما أردت بهم
رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ
أي داعيا يدعو إلى الإيمان ، وهو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم
أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا
أي يقول آمنوا بربكم فآمنا ، أي فاستجبنا له واتبعناه ، أي بإيماننا واتباعنا نبيك ،
رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا
أي استرها ،
وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا
فيما بيننا وبينك ،
وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ
أي ألحقنا بالصالحين ،
رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ
قيل : معناه على الإيمان برسلك ، وقيل : معناه على ألسنة رسلك . وهذا أظهر . وقد قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا أبو اليمان ، حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمرو بن محمد ، عن أبي عقال ، عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « عسقلان أحد العروسين يبعث اللّه منها يوم القيامة سبعين ألفا لا حساب عليهم ، ويبعث منها خمسين ألفا شهداء وفودا إلى اللّه ، وبها صفوف الشهداء رؤوسهم مقطعة في أيديهم تثج « 2 » أوداجهم دما ، يقولون
رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ
فيقول اللّه : صدق عبيدي اغسلوهم بنهر البيضة . فيخرجون منه نقاء بيضا . فيسرحون في الجنة حيث شاؤوا » وهذا الحديث يعد من غرائب المسند ، ومنهم من يجعله موضوعا ، واللّه أعلم .
وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ
أي على رؤوس الخلائق ،
إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ
أي لا بد من الميعاد الذي أخبرت عنه رسلك وهو القيام يوم القيامة بين يديك ، وقد قال الحافظ أبو يعلى : حدثنا الحارث بن سريج ، حدثنا المعتبر ، حدثنا الفضل بن عيسى ، حدثنا محمد بن المنكدر أن جابر بن عبد اللّه حدثه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « العار والتخزية تبلغ من ابن آدم في القيامة في المقام بين يدي اللّه عز وجل ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار » حديث غريب . وقد ثبت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده ، فقال البخاري « 3 » رحمه اللّه : حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا محمد بن جعفر ،
هامش
( 1 ) مسند أحمد 3 / 225 ) ( 2 ) تثج : تسيل . ( 3 ) صحيح البخاري ( تفسير سورة آل عمران باب 17 )