تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
النار ومقامعها وأطباقها . وكان يبكي عند ذلك حتى يرفع صريعا من بين أصحابه قد ذهب عقله . وقال عبد اللّه بن المبارك : مر رجل براهب عند مقبرة ومزبلة ، فناداه فقال : يا راهب ، إن عندك كنزين من كنوز الدنيا لك فيهما معتبر : كنز الرجال ، وكنز الأموال . وعن ابن عمر : أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة فيقف على بابها فينادي بصوت حزين ، فيقول : أين أهلك ؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 88 ] وعن ابن عباس أنه قال : ركعتان مقتصدتان في تفكر ، خير من قيام ليلة والقلب ساه . وقال الحسن البصري : يا ابن آدم ، كل في ثلث بطنك ، واشرب في ثلثه ، ودع ثلثه الآخر تتنفس للفكرة . وقال بعض الحكماء : من نظر إلى الدنيا بغير العبرة ، انطمس من بصر قلبه بقدر تلك الغفلة . وقال بشر بن الحارث الحافي : لو تفكر الناس في عظمة اللّه تعالى لما عصوه . وقال الحسن عن عامر بن عبد قيس ، قال : سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقولون : إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر . وعن عيسى عليه السلام أنه قال : يا ابن آدم الضعيف اتق اللّه حيث ما كنت ، وكن في الدنيا ضيفا ، واتخذ المساجد بيتا ، وعلم عينيك البكاء ، وجسدك الصبر ، وقلبك الفكر ، ولا تهتم برزق غد . وعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه ، أنه بكى يوما بين أصحابه ، فسئل عن ذلك ، فقال : فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها ، فاعتبرت منها بها ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها ، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إن فيها مواعظ لمن ادكر . وقال ابن أبي الدنيا : أنشدني الحسين بن عبد الرحمن : [ مجزوء الخفيف ]
نزهة المؤمن الفكر * لذّة المؤمن العبر نحمد اللّه وحده * نحن كل على خطر ربّ لاه وعمره * قد تقضّى وما شعر رب عيش قد كان فوق * المنى مونق الزّهر في خرير من العيون * وظل من الشجر وسرور من النبات * وطيّب من الثمر غيّرته وأهله * سرعة الدهر بالغير نحمد اللّه وحده * إن في ذا لمعتبر إن في ذا لعبرة * للبيب إن اعتبر
وقد ذم اللّه تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على ذاته وصفاته وشرعه وقدره وآياته ، فقال
وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ
[ يوسف : 105 - 106 ] ومدح عباده المؤمنين
الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
قائلين
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا