تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ
الآية ، رواه ابن أبي حاتم . وقوله
سَنَكْتُبُ ما قالُوا
تهديد ووعيد ، ولهذا قرنه تعالى بقوله :
وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ
أي هذا قولهم في اللّه وهذه معاملتهم لرسل اللّه وسيجزيهم اللّه على ذلك شر الجزاء ، ولهذا قال تعالى :
وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا وتحقيرا وتصغيرا . وقوله تعالى :
الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ
يقول تعالى تكذيبا أيضا لهؤلاء الذين زعموا أن اللّه عهد إليهم في كتبهم ، أن لا يؤمنوا لرسول حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة من أمته ، فتقبلت منه ، أن تنزل نار من السماء تأكلها ، قاله ابن عباس والحسن وغيرهما . قال اللّه عز وجل :
قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ
أي بالحجج والبراهين ،
وَبِالَّذِي قُلْتُمْ
أي وبنار تأكل القرابين المتقبلة ،
فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ
أي فلم قابلتموهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أنكم تتبعون الحق وتنقادون للرسل . ثم قال تعالى مسليا لنبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم
فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ
أي لا يوهنك تكذيب هؤلاء لك ، فلك أسوة بمن قبلك من الرسل الذين كذبوا مع ما جاءوا به من البينات وهي الحجج والبراهين القاطعة ،
وَالزُّبُرِ
وهي الكتب المتلقاة من السماء كالصحف المنزلة على المرسلين ،
وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ
أي البين الواضح الجلي .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 185 إلى 186 ]

كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ ( 185 ) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 186 ) يخبر تعالى إخبارا عاما يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت ، كقوله تعالى :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
[ الرحمن : 26 ] فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت ، والجن والإنس يموتون ، وكذلك الملائكة وحملة العرش ، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء ، فيكون آخرا كما كان أولا ، وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس ، فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت ، فإذا انقضت المدة وفرغت النطفة التي قدر اللّه وجودها في صلب آدم وانتهت البرية ، أقام اللّه القيامة وجازى الخلائق بأعمالها جليلها وحقيرها ، كثيرها وقليلها ، كبيرها وصغيرها ، فلا يظلم أحدا مثقال ذرة ، ولهذا قال تعالى :
وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد العزيز الأويسي ، حدثنا علي بن أبي علي اللهبي
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت ) — صفحة 156 | ابن كثير / محمد حسين شمس الدين