تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترتيب سور القرآن — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
ثم ظهر لي بحمد اللّه وجه آخر ، أتقن مما تقدم . وهو : أنه لما ذكر في سورة المائدة :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا
[ 87 ] إلى آخره ، فأخبر عن الكفار أنهم حرموا أشياء مما رزقهم اللّه افتراء عليه ، وكان القصد بذلك تحذير المؤمنين أن يحرموا شيئا مما أحل اللّه ، فيشابهوا بذلك الكفار في صنيعهم وكان ذكر ذلك على سبيل الإيجاز ، ساق هذه السورة لبيان ما حرمه الكفار في صنيعهم ، فأتى به على الوجه الأبين والنمط الأكمل ، ثم جادلهم فيه ، وأقام الدلائل على بطلانه ، وعارضهم وناقضهم ، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه القصة ، فكانت هذه السورة شرحا لما تضمنته المائدة من ذلك على سبيل الإجمال ، وتفصيلا وبسطا ، وإتماما وإطنابا . وافتتحت بذكر الخلق والملك ، لأن الخالق والمالك هو الذي له التصرف في ملكه ، ومخلوقاته ، إباحة ومنعا « 1 » ، وتحريما وتحليلا ، فيجب ألا يتعدى عليه بالتصرف في ملكه . وكانت هذه السورة بأسرها متعلقة بالفاتحة من وجه كونها شارحة لإجمال قوله :
رَبِّ الْعالَمِينَ
. وللبقرة من حيث شرحها لإجمال قوله :
الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
[ 21 ] . وقوله :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ 29 ] . وبآل عمران من جهة تفصيلها لقوله :
وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ
[ 14 ] . وقوله :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
[ 185 ] . الآية . وبالنساء من جهة ما فيها من بدء الخلق ، والتقبيح لما حرموه على أزواجهم ، وقتل البنات بالوأد « 2 »
هامش
( 1 ) ذلك لأن أصول الأحكام خمسة : ( الحلال ، والحرام ، والمستحب ، والمكروه ، والمباح ) . . ( 2 ) لقوله تعالى :قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ ، وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ[ 140 ] .