فإن قلت : فما عندك في ذلك ؟
قلت : الذي عندي أولا : تحديد محل الخلاف ، وأنه خاص بترتيب سور الأقسام الأربعة ، وأما نفس الأقسام الأربعة ، من تقديم الطوال ، ثم المئين ، ثم المثاني ، ثم المفصل ، فهذا ينبغي أن يقطع بأنه توقيفي ، وأن يدعى فيه الإجماع ، وإن لم أر من سبقني إلى ذلك . وإنما دعاني إلى هذا أمران :
أحدهما : ما تقدم من الأحاديث قريبا ، وحديث ابن عباس الآتي في الأنفال .
والثاني : أن المصاحف التي وقع فيها الاختلاف في الترتيب اتفقت على ذلك ، فإن مصحف أبي بن كعب وابن مسعود كلاهما قدم فيه الطوال ، ثم المثاني ، ثم المفصل ، كمصحف عثمان ، وإنما اختلفا في ترتيب سور كل قسم كما بينت في الإتقان « 1 » .
فإذا تحرر ذلك ، ونظرنا إلى محل الخلاف ، فالمختار عندي في ذلك :
ما قاله البيهقي ، وهو : أن ترتيب كل السور توقيفي ، سوى الأنفال وبراءة .
ومما يدل على ذلك ويؤيده : توالي الحواميم ، وذوات ( الر ) ، والفصل بين المسبحات ، وتقديم ( طس ) على القصص ، مفصولا بها بين النظيرتين [ طسم الشعراء ، وطسم القصص ] في المطلع والطول ، وكذا الفصل بين الانفطار والانشقاق بالمطففين ، وهما نظيرتان في المطلع والمقصد ، وهما أطول منها ، فلو لا أنه توقيفي لحكمة ، لتوالت المسبحات وأخرت ( طس ) عن القصص ، وأخرت ( المطففين ) أو قدمت ، ولم يفصل بين ( الر ) و ( الر ) .
هامش
( 1 ) راجع الاتقان ( 1 / 222 - 224 ) .