ومن أقدم ما مدح به الرسول صلى اللّه عليه وسلّم قصيدة الأعشى التي يقول فيها « 1 » :
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا * وعادك ما عاد السليم المسّهدا
وما ذاك من عشق النّساء وإنّما * تناسيت قبل اليوم خلّة مهددا « 2 »
ولكن أرى الدّهر الذي هو خاتر * إذا أصلحت كفّاي عاد فأفسدا
نبيّ يرى ما لا ترون وذكره * أغار لعمري في البلاد وأنجدا
له صدقات ما تغبّ ونائل * وليس عطاء اليوم مانعه غدا
إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا
ندمت على ألاتكون كمثله * وأنك لم ترصد لما كان أرصدا
ولا تقربن جارة إن سرها * عليك حرام فانكحن « 3 » أو تأبّدا « 4 »
والقصيدة مروية في كثير من كتب الأدب ( الأغاني - والسيرة - وخزانة الأدب ) ولكن العجيب من أمرها أن القسم الثاني منها الذي خص فيه النبي بالمدح ، أضعف بكثير من القسم الأول ، ويبلغ الضعف في أبياته حد الركاكة والتفاهة . ثم هو متأثر ببعض آيات القرآن في معناها أو في ألفاظها ، وقد ألم بتعاليم الإسلام إلماما حسنا . بما يناقض زعم الرواة أنه عاد حين علم أن الإسلام يحرم الخمر « 5 » .
وذهب الدكتور زكي مبارك إلى أن الأعشى لم يقل هذا الشعر وهو صادق النية في مدح الرسول وإنما كانت محاولة أراد بها التقرب من نبي الإسلام ، وآية ذلك أنه انصرف حين صرفته قريش ، ولو كان صادقا ما تحول « 6 » . . .
هامش
( 1 ) الديوان : القصيدة 17 ص 135 . محمد صلى اللّه عليه وسلّم في الشعر الحديث ص . 30 - 36
( 2 ) اسم امرأة .
( 3 ) النكاح : الزواج . التأبد : التعزب . أي تعفف مبتعدا عن النساء .
( 4 ) حرك فعل الأمر ( تأبّدا ) بالفتح لضرورة القافية .
( 5 ) راجع القصيدة في الديوان ص 135 - 137 .
( 6 ) المدائح النبوية : ص 17 .