تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
بمعرفة الموزون أيّما هو حديد أو ذهب أو شبه « 1 » أو رصاص ؟ فأراك بعد معرفة الوزن فقيرا إلى معرفة جوهر الموزون وإلى معرفة قيمته وسائر صفاته التي يطول عدّها ، فعلى هذا لم ينفعك الوزن الذي كان عليه اعتمادك ، وفي تحقيقه كان اجتهادك ، إلّا نفعا يسيرا من وجه واحد ، وبقيت عليك وجوه ، فأنت كما قال الأوّل :
حفظت شيئا وغابت عنك أشياء
وبعد ، فقد ذهب عليك شيء هاهنا ، ليس كلّ ما في الدنيا يوزن ، بل فيها ما يوزن ، وفيها ما يكال ، وفيها ما يذرع ، وفيها ما يمسح وفيها ما يحزر وهذا وإن كان هكذا في الأجسام المرئيّة ، فإنّه على ذلك أيضا في المعقولات المقرّرة ، والإحساسات ظلال العقول تحكيها بالتقريب والتبعيد ، مع الشبه المحفوظة والمماثلة الظاهرة . ودع هذا ، إذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها واصطلاحهم عليها وما يتعارفونه بها من رسومها وصفاتها ، فمن أين يلزم التّرك والهند والفرس والعرب أن ينظروا فيه ويتخذوه قاضيا وحكما لهم وعليهم ، ما شهد لهم به قبلوه ، وما أنكره رفضوه ؟ قال متّى : إنما لزم ذلك لأن المنطق بحث عن الأغراض المعقولة والمعاني المدركة ، وتصفّح للخواطر السانحة والسوانح الهاجسة ، والناس في المعقولات سواء ألا ترى أنّ أربعة وأربعة ثمانية سواء عند جميع الأمم ، وكذلك ما أشبهه . قال أبو سعيد : لو كانت المطلوبات بالعقل والمذكورات باللفظ ترجع مع شعبها المختلفة وطرائقها المتباينة إلى هذه المرتبة البيّنة في أربعة وأربعة وأنّهما ثمانية ، زال الاختلاف وحضر الاتفاق ، ولكن ليس الأمر هكذا ، ولقد موّهت بهذا المثال ، ولكم عادة بمثل هذا التمويه . ولكن مع هذا أيضا إذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف ، أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة ؟ قال : نعم . قال : أخطأت ، قل في هذا الموضع : بلى . قال : بلى ، أنا أقلّدك في مثل هذا . قال : أنت إذا لست تدعونا إلى علم المنطق ، إنما تدعو إلى تعلم اللغة اليونانيّة وأنت لا تعرف لغة يونان ، فكيف صرت تدعونا إلى لغة لا تفي بها ؟ وقد عفت منذ زمان طويل ، وباد أهلها ، وانقرض القوم الّذين كانوا يتفاوضون بها ، ويتفاهمون أغراضهم بتصاريفها ، على أنّك تنقل من السريانية ، فما تقول في معان متحوّلة بالنقل من لغة يونان إلى لغة أخرى سريانيّة ، ثم من هذه إلى أخرى عربية ؟ قال متّى : يونان وإن بادت مع لغتها ، فإن الترجمة حفظت الأغراض وأدّت المعاني ، وأخلصت الحقائق .
هامش
( 1 ) النحاس الأصفر .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 91 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي