تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
قراءة الكتب الكبار ذوات الورق الكثير ، مع العناء المتّصل في الدرس والتصحيح والنّصب في المسألة والجواب ، والتنقير عن الحق والصواب . وهذا الذي قاله ابن يعيش ليس بحيف ولا خارج عن حومة الحق ، وإن كان الأمر فيه أيضا صعبا وشاقا وهائلا وعاملا ، ولكن ليس لكلّ أحد هذه القوّة الفائضة ، وهذه الخصوصيّة الناهضة ، وهذا الاستبصار الحسن ، وهذا الطبع الوقّاد ، والذهن المنقاد ، والقريحة الصافية والاستبانة والتأمّل ، لأن هذه القوّة إلهيّة ، فإن لم تكن إلهيّة فهي ملكية ، وإن لم تكن ملكية فهي في أفق البشريّة ، وليس يوجد صاحب هذا النعت إلّا في الشاذّ النادر ، وفي دهر مديد بين أمّة جمّة العدد ، والفائق من كلّ شيء والبائن من كلّ صنف عزيز في هذا العالم الوحشيّ ، كما أن الرديء والفاسد معدوم في هذا العالم الإلهيّ ، ويمكن أن يقال بالمثل الأدنى : إن من يتكلّم بالإعراب والصحّة ولا يلحن ولا يخطئ ويجري على السليقة الحميدة والضريبة السليمة ، قليل أو عزيز ، وإنّ الحاجة شديدة لمن عدم هذه السجيّة وهذا المنشأ إلى أن يتعلّم النحو ويقف على أحكامه ، ويجري على منهاجه ، ويفي بشروطه في أسماء العرب وأفعالها وحروفها وموضوعاتها ومستعملاتها ومهملاتها ، ومتى اتفق إنسان بهذه الحلية وعلى هذا النّجار ، فلعمري إنّه غنيّ عن تطويل النحويّين كما يستغني قارض الشّعر بالطبع عن علم العروض ، وهكذا يستغني صاحب تلك القوّة التي أشار إليها ابن يعيش عن ذلك ، ولكن أين ذاك الفرد والشاذّ والنادر ؟ فإن حضر فما تفعل معه إلّا أن تقلّده وتأخذ عنه وتتّبعه . وإنّما المدار على أن تكون أنت بهذا الكمال حائزا لهذه الغاية ، ولا سبيل لك إليها من تلقاء نفسك ، وإنما هو شيء يأتي من تلقاء غيرك ، فإذن بالضرورة وبالواجب ينبغي أن تخطو على آثار المنطقيّين والطبيعييّن والمهندسين بالزحف والعناء والتكلّف والدّءوب حتى تصير متشبّها بذلك الرجل الفاضل والواحد الكامل والبديع النادر ، فقد بان من هذا القدر صواب ما أشار إليه ابن يعيش وانكشف أيضا وجه ما حثّ عليه مخالفوه ، ولا عيب على المنقوص أن يطلب الزيادة ببذل المجهود ، وإن الكامل مربوط بما منح من العطيّة من غير طلب . وأمّا قوله في صدر كلامه : « إن القوم صدّوا عن الطريق وطرحوا الشوك فيه ، واتّخذوا نشر الحكمة فخّا للمثالة العاجلة » ، فما أبعد ، بل قارب الحقّ فإن « متّى » كان يملي ورقة بدرهم مقتدريّ وهو سكران لا يعقل ، ويتهكّم ، وعنده أنّه في ربح ، وهو من الأخسرين أعمالا ، الأسفلين أحوالا . ثم إنّي أيّها الشيخ - أحياك اللّه لأهل العلم وأحيا بك طالبيه - ذكرت للوزير مناظرة جرت في مجلس الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات بين أبي سعيد السيرافيّ وأبي بشر متّى واختصرتها .
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 89 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي