تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
وهاهنا مسألة ، تقول : إن الناس عقولهم مختلفة ، وأنصباؤهم منها متفاوتة . قال : نعم . قال : وهذا الاختلاف والتفاوت بالطبيعة أو بالاكتساب ؟ قال : بالطبيعة . قال : فكيف يجوز أن يكون هاهنا شيء يرتفع به هذا الاختلاف الطبيعيّ والتفاوت الأصليّ ؟ قال متّى : هذا قد مر في جملة كلامك آنفا . قال أبو سعيد : فهل وصلته بجواب قاطع وبيان ناصع ؟ ودع هذا ، أسألك عن حرف واحد ، وهو دائر في كلام العرب ، ومعانيه متميّزة عند أهل العقل ، فاستخرج أنت معانيه من ناحية منطق أرسطاطاليس الّذي تدلّ به وتباهي بتفخيمه ، وهو ( الواو ) ما أحكامه ؟ وكيف مواقعه ؟ وهل هو على وجه أو وجوه ؟ فبهت متّى وقال : هذا نحو ، والنحو لم أنظر فيه ، لأنه لا حاجة بالمنطقيّ إليه ، وبالنحويّ حاجة شديدة إلى المنطق ، لأنّ المنطق يبحث عن المعنى ، والنحو يبحث عن اللفظ ، فإن مر المنطقيّ باللفظ فبالعرض ، وإن عثر النحويّ بالمعنى فبالعرض والمعنى أشرف من اللفظ ، واللفظ أوضع من المعنى . فقال أبو سعيد : أخطأت ، لأن الكلام والنطق واللغة واللفظ والإفصاح والإعراب والإبانة والحديث والإخبار والاستخبار والعرض والتّمنّي والنهي والحضّ والدعاء والنداء والطلب كلّها من واد واحد بالمشاكلة والمماثلة ، ألا ترى أنّ رجلا لو قال : « نطق زيد بالحقّ ولكن ما تكلّم بالحق ، وتكلّم بالفحش ولكن ما قال الفحش ، وأعرب عن نفسه ولكن ما أفصح ، وأبان المراد ولكن ما أوضح ، أو فاه بحاجته ولكن ما لفظ ، أو أخبر ولكن ما أنبأ » ، لكان في جميع هذا محرّفا ومناقضا وواضعا للكلام في غير حقّه ، ومستعملا اللّفظ على غير شهادة من عقله وعقل غيره ، والنحو منطق ولكنه مسلوخ من العربية ، والمنطق نحو ، ولكنه مفهوم باللغة ، وإنما الخلاف بين اللفظ والمعنى أن اللفظ طبيعيّ والمعنى عقليّ ، ولهذا كان اللفظ بائدا على الزمان ، لأن الزمان يقفوا أثر الطبيعة بأثر آخر من الطبيعة ولهذا كان المعنى ثابتا على الزمان ، لأن مستملي المعنى عقل والعقل إلهي ، ومادّة اللفظ طينيّة ، وكلّ طينيّ متهافت ، وقد بقيت أنت بلا اسم لصناعتك التي تنتحلها ، وآلتك التي تزهى بها ، إلا أن تستعير من العربيّة لها اسما فتعار ، ويسلّم لك ذلك بمقدار ، وإذا لم يكن لك بدّ من قليل هذه اللغة من أجل الترجمة فلا بدّ لك أيضا من كثيرها من أجل تحقيق الترجمة واجتلاب الثّقة والتوقّي من الخلّة اللاحقة . فقال متّى : يكفيني من لغتكم هذه الاسم والفعل والحرف ، فإني أتبلّغ بهذا القدر إلى أغراض قد هذّبتها لي يونان . قال أبو سعيد : أخطأت ، لأنك في هذا الاسم والفعل والحرف فقير إلى وصفها وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها ، وكذلك أنت محتاج بعد هذا إلى حركات هذه الأسماء والأفعال والحروف ، فإن الخطأ والتحريف في الحركات كالخطإ والفساد
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 93 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي