تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨

الليلة الثامنة

وقال لي مرّة أخرى : أوصل وهب بن يعيش الرقيّ اليهوديّ رسالة يقول في عرضها بعد التقريظ الطويل العريض : إن هنا طريقا في إدراك الفلسفة مذلّلة مسلوكة مختصرة فسيحة ، ليس على سالكها كدّ ولا شقّ في بلوغ ما يريد من الحكمة ونيل ما يطلب من السعادة وتحصيل الفوز في العاقبة ، وإنّ أصحابنا طوّلوا وهوّلوا وطرحوا الشوك في الطريق ، ومنعوا من الجواز عليه غشّا منهم وبخلا ولؤم طباع وقلة نصح وإتعابا للطالب وحسدا للراغب ، وذلك أنّهم اتّخذوا المنطق والهندسة وما دخل فيهما معيشة ومكسبة ، ومأكلة ومشربة ، فصار ذلك كسور من حديد لطلّاب الحكمة والمحبّين للحقيقة والمتصفّحين لأثناء العالم ، وكلاما هذا معناه ، وإلى هذا يرجع مغزاه . فكان من الجواب : قد عرفت مذهب ابن يعيش في هذا الباب ، وهو جاري ، وكتب هذه الرسالة على هذا الطراز بالأمس إلى الملك السعيد سنة سبعين ، وتقرّب بها ، ونفعته بالمسألة والتفقّد له ، فإنّه شديد الفقر ، ظاهر الخصاصة ، لاصق بالدّقعاء ، وللّذي قاله وادّعاه ، وقصده وانتحاه ، وجه واضح وحجّة ظاهرة ، وللّذي قاله أصحابنا - أعني مخالفيه - وجه أيضا وتأويل وللقولين أنصار وحماة ، وحفظة ورعاة . قال : هات - على بركة اللّه - فإنّي أحب أن أسمع في هذا الخطب كلّ ما فيه وأكثر ما يتّصل به ، فكان من الجواب أن ابن يعيش يريد بهذه الخطبة أنّ عمر الإنسان قصير ، وعلم العالم كثير ، وسرّه مغمور ، وكيف لا يكون كذلك وهو ذو صفائح مركّبة بالوضع المحكم ، وذو نضائد مزيّنة بالتأليف المعجب المتقن ، والإنسان الباحث عنه وعمّا يحتويه ذو قوى متقاصرة ، وموانع معترضة ، ودواع ضعيفة ، وإنه مع هذه الأحوال منتبه بالحسّ ، حالم بالعقل ، عاشق للشاهد ، ذاهل عن الغائب ، مستأنس بالوطن الّذي ألفه ونشأ فيه ، مستوحش من بلد لم يسافر إليه ولم يلمّ به وإن كان صدر عنه ، فليس له بذلك معرفة باقية ولا ثقة تامّة ، وإن الأولى بهذا الإنسان المنعوت بهذا الضّعف والعجز أن يلتمس مسلكا إلى سعادته ونجاته قريبا ويعتصم بأسهل الأسباب على قدر جهده وطوقه ، وإن أقرب الطرق وأسهل الأسباب هو في معرفة الطبيعة والنفس والعقل والإله تعالى ، فإنه متى عرف هذه الجملة بالتفصيل ، واطّلع على هذا التفصيل بالجملة ، فقد فاز الفوز الأكبر ونال الملك الأعظم ، وكفي مئونة عظيمة في