الرحيم ، فإنه شريف النفس طاهر الطّويّة ، ليّن العريكة ، كثير الديانة ، وهذه أخلاق لا تصلح اليوم مع الناس ، قال الشاعر « 1 » :
ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه * يهدّم ومن لا يظلم الناس يظلم
وقال :
ومن لا يذد عن حوضه النّاس أو يكن * له جانب يشتدّ إن لان جانب
يطأ حوضه المستور دون وتغشه * شوائب لا تبقى عليها النقائب
وما ضاع قولهم : لا تكن حلوا فتؤكل ، ولا مرّا فتعاف . ليس الحذر يقي فكيف التهوّر ، أهاهنا لحى تسحب كلّ يوم ، وطوارق تتوقّع كلّ ليلة ! والتوكّل والاستسلام يليقان بأهل الدّين في طلب الآخرة ، فأمّا أصحاب الدنيا وأرباب المراتب ، فيجب أن يدعوا الهوينا جانبا ، ويشمّروا للنفع والضّر ، والخير والشرّ ويكون ضرّهم أكثر ، وشرّهم أغلب ، ورهبوت خير من رحموت .
ولهذا قال الأعرابي :
أنا الغلام الأعسر * الخير فيّ والشّر
والشرّ فيّ أكثر
وهذا معنى بديع ، ولم يرد أنّ البداءة بالشرّ خير من الخير ، وإنما أراد أنّي أتّقي بالشر ، وإذا أقبل الشرّ قلت له : مرحبا ، وأدفع الشرّ ولو بالشر ، والحديد بالحديد يفلح « 2 » . وقد قال الآخر :
وفي الشرّ نجاة حي * ن لا ينجيك إحسان
وقال ابن دارة :
إذا كنت يوما طالب القوم فاطّرح * مقالتهم واذهب بهم كلّ مذهب
وقارب بذي حلم وباعد بجاهل * جلوب عليك الشرّ من كلّ مجلب
فإن حدبوا فاقعس وإن هم تقاعسوا * ليستمسكوا ممّا يريدون فاحدب
وإن حلبوا خلفين فاحلب ثلاثة * وإن ركبوا يوما لك الشر فاركب
وقال الحجاج بن يوسف أبو محمد - وهو من رجالات العرب وقد قهر العجم بالدهاء والزكانة - « لو أخذت من الناس مائة ألف ، كان أرضى عنّي من أن أفرّق فيهم مائة ألف » . كان الناس بالأمس مزمومين مخطومين ، يقوم كل واحد بنفسه على نفسه ،
هامش
( 1 ) هو زهير بن أبي سلمى .
( 2 ) أي يشق .