تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨

الليلة الثانية

ثم حضرت ليلة أخرى ، فقال : أوّل ما أسألك عنه حديث أبي سليمان المنطقيّ كيف كان كلامه فينا ، وكيف كان رضاه عنّا ورجاؤه بنا ، فقد بلغني أنّك جاره ومعاشره ، ولصيقه وملازمه وقافي خطوه وأثره ، وحافظ غاية خبره . فقلت : واللّه أيّها الوزير ، ما أعرف اليوم ببغداد - وهي الرّقعة الفسيحة الجامعة ، والعرصة « 1 » العريضة الغاصّة - إنسانا أشكر لك ، وأحسن ثناء عليك ، وأذهب في طريق العبوديّة معك ، منه ، ولقد سكر الآذان وملأ البقاع بالدعاء الصالح ، رفعه اللّه إليه ، والثناء الطيّب أشاعه اللّه ، وقد عمل رسالة في وصفك ذكر فيها ما آتاك اللّه وفضّلك به من شرف أعراقك ، وكرم أخلاقك وعلوّ همّتك ، وصدق حدسك وصواب رأيك ، وبركة نظرك ، وظهور غنائك ، وخصب فنائك ، ومحبّة أوليائك ، وكمد أعدائك ، وصباحة وجهك ، وفصاحة لسانك ، ونبل حسبك ، وطهارة غيبك ، ويمن نقيبتك ، ومحمود شيمتك ، ودقيق ما أودع اللّه فيك وجليل ما نشر اللّه عنك ، وغريب ما يرى منك ، وبديع ما ينتظر لك من المراتب العليّة ، والخيرات الواسعة والدولة الوادعة ، وهي تصل إلى مجلسكم في غد أو بعده - إن شاء اللّه - وكان هذا منه قياما بالواجب ، فإنك نعشت روحه وكان خفت ، وبصّرته وكان عشي ، وأنبتّ جناحه وكان قد حصّ ، وبالرسم الذي وصل إليه لأنه كان قنط منه وهو قنوط ، وسمعته يقول مرارا : من يذكرني وقد مضى الملك - رضوان اللّه عليه - ومن يخلفه في مصلحتي ، ويجري على عادته معي ؟ ومن يسأل عنّي ، ويهتمّ بحالي ؟ هيهات ، فقد واللّه بالأمس من يطول تلفّتنا إليه ويدوم تلهّفنا عليه ، إنّ الزمان بمثله لبخيل ، كان واللّه شمس المعالي وغرة الزمن وحامل الأثقال ، وملتقى القفّال ، ومحقّق الأقوال والأفعال ، ومجري لجم الأحوال على غاية الكمال ، كان واللّه فوق المتمنّى ، وأعلى من أن يلحق به نظير ، أو يوجد له مماثل ، لذّته لمح في تهذيب الأمور ، وهواه وقف على صلاح من في إصلاحه صلاح ونفي من في نفيه تطهير ، ولولا أن عمر الفتى الأريحيّ قصير ، لكنّا لا نبتلي بفقده ، ولا نتحرّق على فوت ما كان لنا بحياته ، الدنيا ظلوم ، والإنسان فيها مظلوم .
هامش
( 1 ) أي الساحة الواسعة .