تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
قليل . فلمّا دعي قائدا وأطاعه رجال وأعطاهم وفرّق فيهم ، وطلب الرّئاسة عليهم ، صار جانبه لا يرام ، وحماه لا يضام . فممّا ظهر من حسن خلقه - مع شرّه ولعنته ، وسفكه للدّم ، وهتكه للحرمة ، وركوبه للفاحشة ، وتمرّده على ربّه القادر ، ومالكه القاهر - أنّه اشترى جارية كانت في النّخّاسين عند الموصليّ بألف دينار ، وكانت حسناء جميلة ، فلمّا حصلت عنده حاول منها حاجته ، فامتنعت عليه ، فقال لها : ما تكرهين منّي ؟ قالت : أكرهك كما أنت . فقال لها : فما تحبّين ؟ قالت : أن تبيعني ، قال لها : أو خير من ذلك أعتقك وأهب لك ألف دينار ؟ قالت : نعم ، فأعتقها وأعطاها ألف دينار بحضرة القاضي ابن الدّقاق عند مسجد ابن رغبان ، فعجب الناس من نفسه وهمّته وسماحته ، ومن صبره على كلامها ، وترك مكافأتها على كراهتها ، فلو قتلها ما كان أتى ما ليس من فعله في مثلها . قال الوزير : هذا واللّه طريف ، فما كان آخر أمره ؟ قلت : صار في جانب أبي أحمد الموسويّ وحماه ، ثم سيّره إلى الشأم فهلك بها . قال : وكيف سلمت في هذه الحالات ؟ قلت : ومتى سلمت ؟ جاءت النّهابة إلى بين السّورين وشنّوا الغارة واكتسحوا ما وجدوا في منزلي من ذهب وثياب وأثاث ، وما كنت ذخرته من تراث العمر ، وجرّدوا السّكاكين على الجارية في الدّار يطالبونها بالمال ، فانشقت مرارتها ، ودفنت في يومها ، وأمسيت وما أملك مع الشّيطان فجرة ، ولا مع الغراب نقرة . أيّها الشيخ - وفّقك اللّه في جميع أحوالك ، وكان لك في كلّ مقالك وفعالك - إنما نثرت بالقلم ما لاق به ، فأمّا الحديث الّذي كان يجري بيني وبين الوزير فكان على قدر الحال والوقت والواجب ، والاتّساع يتبع القلم ما لا يتبع اللّسان ، والرّويّة تتبع الخطّ ما لا تتبع العبارة ، ولما كان قصدي فيما أعرضه عليك ، وألقيه إليك ، أن يبقى الحديث بعدي وبعدك ، لم أجد بدّا من تنميق يزدان به الحديث ، وإصلاح يحسن معه المغزى ، وتكلّف يبلغ بالمراد الغاية ، فليقم العذر عندك على هذا الوصف ، حتى يزول العتب ، ويستحقّ الحمد والشّكر .