تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
وقيل : ما المهنة ؟ فقال : حركة يتعاطاها الإنسان بلا حفز ولا استكراه . قال عليّ بن عيسى : المهنة صناعة ، ولكنها إلى الذلّ أقرب ، وفي الضعة أدخل ، والصناعة مهنة ، ولكنّها ترتفع عن توابع المهنة ، وفي الصّناعات ما يتّصل به الذّلّ أيضا ، ولكن ذلّ ليس من جهة حقيقة الصّناعة ، ولكن من جهة العرض الذي بين الصّناعة والصناعة ، والمرتبة والمرتبة . قيل : فما العادة ؟ قال : حال يأخذ بها المرء نفسه من غير أن تكون مسنونة يجري عليها مجرى ما هو مألوف طبيعيّ . قال أبو سليمان : كأنّ هذا الاسم ليس يخلّص إلّا لمن أتى شيئا مرارا ، فأمّا في أوّل ذلك فليس له هذا النعت ، وإنّما يصير مألوفا بالتّكرار ، ولهذا ما صيغت الكلمة من عاد يعود واعتاد يعتاد . وأمّا قوله : طبيعيّ ، فعلى وجه التّشبيه ، لأن الطبيعيّ أشدّ رسوخا وأثبت عرقا ، وأبعد من الانتفاض ، فأمّا العادة فكلّ ذلك جائز عليها ، وغير مأمون من الوقوع فيه . قيل : كم الحركات ؟ قال : ستّة أصناف ، أوّلها حركة الانتقال ، وهي ضربان : إمّا حركة الجسم بكلّه من مكان إلى مكان ، وإمّا حركته بأجزائه كالفلك والرّحى ، والثاني حركة الكون ، والثالث حركة الفساد ، والرابع حركة الرّبو ، والخامس حركة النّقض والبلى ، والسادس حركة الاستحالة ، وهي ضربان : أمّا في الجسم فمثل اللّون ، وأمّا في النّفس فمثل الغضب والرّضا ، والعلم والجهل . والنّقلة مكانيّة ، والكون والفساد جوهريّان ، والاستحالة هيئيّة ، والنموّ والاضمحلال مكانيّان . قال الكنديّ : وهاهنا حركة أخرى ، وهي حركة الإبداع ، إلّا أنّ بينها وبين حركة الكون فرقا ، لأنّ هذه لا من موضوع ، وحركة الكون من فساد جوهر قبله بحدوثه ، ولذلك قيل : إن الكون خروج من حال خسيسة إلى حال نفيسة . قال أبو سليمان : حركة الإبداع عبارة بسيطة لا يجب أن يفهم منها معنى مركّب . قال : وإنّما قلت هذا لأنّ اللّفظ نظير اللّفظ في أغلب الأمر وليس المعنى نظير المعنى في أغلب الأمر ، واللّفظ كلّه من واد واحد في التركب بلغة كلّ أمّة ، والمعاني تختلف في البساطة على قدر العقل والعقل ، والعاقل والعاقل ، وإنّما حركة الإبداع مشار بها إلى مقوّم الأشياء بلا كلفة فاعل ، ولا معاناة صانع ، وإنّها بدت بالمبدع من المبدع للمبدع لا على أنّ الباء ألصقت به شيئا ، ولا على أنّ من فصلت منه شيئا ، ولا على أنّ اللّام أضافت إليه شيئا ، فإنّ هذه العلامات والأمارات كلّها موجودة في الأشياء الّتي تعلّقت بالإبداع ، فلم يجز أن ينعت بها المبدع ، ولو جاز هذا لكان
الإمتاع والمؤانسة — صفحة 364 | أبي حيان علي بن محمد التوحيدي / هيثم خليفة الطعيمي