تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١

الليلة السابعة والثلاثون

وقال الوزير ليلة : ما أحوج الجبان إلى أن يسمع أحاديث الشّجعان ! وما أشدّ انتفاع الضّيّق النّفس باستماع أخبار الكرام ، لأنّ الأخلاق في الخلق أعراض ، والأعراض منها لازم ومنها لاصق . قال : وكان عيسى بن زرعة سرد عليّ سنة سبعين ، ليالي كانت الأشغال خفيفة ، والسّياسة بالماضي - نوّر اللّه قبره وضريحه - عامّة ، والنّظر بالحسنى ، شاملا - أشياء في الخلق أتى بها على عمود ما كان في نفسي ، وذلك أنه ذكر العقل والحمق ، والعلم والجهل ، والحلم والسّخف ، والقناعة والشّره ، والحياء والقحة ، والرّحمة والقسوة ، والأمانة والخيانة ، والتّيقّظ والغفلة ، والتّقى والفجور ، والجرأة والجبن ، والتواضع والكبر ، والوفاء والغدر ، والنصيحة والغشّ ، والصّدق والكذب ، والسّخاء والبخل ، والأناة والبطش ، والعدل والجور ، والنّشاط والكسل ، والنّسك والفتك ، والحقد والصّفح ، وينبغي أن تزور عيسى وتذكر له هذه الجملة ، وتبعثه على إعادة حدودها ، وإشباع القول فيها ، مع إيجاز لا يكون به مدخل للخلل ، ولا تقصير عن إيصال الآخر بالأوّل . فلقيت عيسى وعرّفته الحديث ، وأملى ما رسمته في هذا الجزء ، وعرضته على أبي سليمان ، فرضيه بعض الرّضا ، ولم يسخط كلّ السّخط ، وقال : تحديد الأخلاق لا يصحّ إلّا بضرب من التجوّز والتسمّح ، وذلك أنّها متلابسة تلابسا ، ومتداخلة تداخلا ، والشيء لا يتميّز عن غيره إلّا بينونة واقعة تظهر للحسّ اللّطيف ، أو تتّضح للعقل الشّريف . ثم قال : ألا ترى أنّ الفكر مشوب بالرّويّة ، والظّنّ مخلوط بالوهم ، والذّكر معنيّ بالتّخيّل ، والبديهة جانحة إلى الحسّ ، والاستنباط موصوف بالغوص ، وما هذا المعنى الذي ميّز التّواضع من شوب الضّعة ، أو خلّص علوّ الهمّة من شوب الكبر ، أو فرز عزّة النّفس من نقص العجب ، أو أبان الحلم عن بعض الضّعف ؟ ! هذا بالقول ربّما سهل وانقاد ، ولكن بالعقل ربّما عزّ واعتاص ، والأخلاق والخلق مختلطة ، فمنها ما اختلاطه قويّ شديد ، ومنها ما اختلاطه ضعيف سهل ، ومنها ما اختلاطه نصف بين اللّين والشّدّة ، وهذه ينفع العلاج في بعضها ، وينبو العلاج عن بعضها ، والحزم يقضي بألّا يتهاون بما يقبل العلاج لأجل ما لا يقبل العلاج .