تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
قيل له : هل يتساوى الكون والفساد فيبقى الشيء على ما هو به ؟ فقال : أمّا على الحقيقة فلا ، ولكن على السّعة ، لأنّ الكون متصل بالفساد ، إلّا أنهما يخفيان في مبادئهما حتى إذا امتدّ الآنان فصار آنا واحدا فحينئذ بان الكون من الفساد ، وبان الفساد من الكون ، وهذا بالاعتبار الحسّيّ ، فأمّا العقل فيرتفع عن هذا ، لأنّه يعلم حقيقة الشّيء على ما هو عليه ، ولا يقبل من الحسّ حكما ، ولا يحتكم إليه أبدا . وإنّما الحسّ عامل من عمّال العقل . والعامل يجور مرّة ويعدل مرّة ، فأمّا الذي هذا هو عامله فهو الذي يتعقّبه ، فإن وجده جائرا أبطل قضاءه ، وإن وجده عادلا أمضى حكمه ، ومتى استشير الحسّ في قضايا العقل فقد وضع الشيء في غير موضعه ، ومتى استشير العقل في أحكام الحسّ فقد وضع الشيء في موضعه . قيل : فما الصّورة ؟ قال : الّتي بها يخرج الجوهر إلى الظّهور عند اعتقاب الصّور إيّاه . قال أبو سليمان : هذه الفتيا جزافيّة الصّور أصناف : إلهية وعقليّة ، وفلكيّة وطبيعيّة ، وأسطقسّيّة وصناعيّة ، ونفسيّة ولفظيّة ، وبسيطة ومركّبة ، وممزوجة وصافية ، ويقظيّة ونوميّة وغائبيّة وشاهديّة . ثم اندفع فقال : أما الصّورة الإلهيّة - وهي أعلاها في الرّتبة والحقيقة . وهي أبعد منّا في التّحصيل إلّا بمعونة اللّه تعالى - فلا طريق إلى وصفها وتحديدها إلّا على التّقريب ، وذلك أنّ البساطة تغلب عليها ، إلا أنّها مع ذلك ترسم بأن يقال : هي التي تجلّت بالوحدة ، وثبتت بالدّوام ، ودامت بالوجود . وأمّا الصّورة العقليّة فهي شقيقة تلك ، إلا أنها دونها بالانحطاط الحسّي ، ولكن بالمرتبة اللّفظيّة ، وليس بين الصّورتين فصل إلّا من ناحية النّعت ، وإلّا فالوحدة شائعة وغالبة وشاملة ، لكن الصّورة الإلهيّة تلحظ لحظا ، ولا يلفظ بوصفها لفظا ، لمشاكهتها الصّورة النّفسيّة ، فإذا كان كذلك أمكن أن ترسم فيقال : هي الّتي تهدي إلى العاقل ثلجا في الحكم ، وثقة بالقضاء ، وطمأنينة للعاقبة ، وجزما بالأمر ، ودحوضا للباطل ، وبهجة للحقّ ونورا للصّدق . والفرق بين الصورة الإلهيّة والصّورة العقليّة أنّ الصورة ترد عليك وتأخذ منك ، والصورة العقليّة تصل إليك فتعطيك ، فالأولى بقهر وقدرة ، والثانية برفق ولطافة ، وتلك تحجبك عن لم وكيف ، وهذه تفتح عليك لم وكيف ، وتلك لا تنحى ولا تطلب ، وهذه يسعى إليها ، ويسأل عنها وتوجد ، وأنوار الصّورة العقليّة الإلهيّة بروق تمرّ ، وأنوار الصّورة شموس تستنير ، وتلك إذا حصلت لك بالخصوصيّة لا نصيب لأحد منها ، وهذه إذا حصلت لك فأنت وغيرك شرع فيها ، وتلك للصّون والحفظ ، وهذه للبذل والإفاضة . وأمّا الصّورة الفلكيّة فداخلة تحت الرّسم بالعرض ، وللوهم فيها أثر كثير ،