تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
قال : وهذا أيضا يختلف بحسب المزاج والمزاج ، والإنسان والإنسان ، ألا ترى أنّك لو رمت تحويل البخيل من العرب إلى الجود كان أسهل عليك من تحويل البخيل من الرّوم إلى الجود ، والطّمع في جبان التّرك أن يتحوّل شجاعا أقوى من الطّمع في جبان الكرد أن يصير بطلا . قال : ومع هذا فوصف الأخلاق بالحدود - وإن كان على ما قدّمناه - نافع جدّا ، وإضمارها في النّفس مثمر أبدا ، فهذا هذا . وأما ما قال أبو عليّ فإنّه هذا . قيل : ما الحلم ؟ قال : ضبط الفكر بكفّ الغضب . وقال شيخنا أبو سعيد السّيرافيّ : اعتباره من ناحية الاسم تعطيل لطبعه وذلك أنّ الحلم شريك التّحلّم ، « فكان الحليم الّذي يعدّ فيمن يحلم » في عرض الحليم الّذي لا يعاج عليه ولا يكترث له . قال : والتّحلّم نافع أيضا ، وهو أحمد من التّحالم ، لأنّ الثّاني أقرب إلى التّأنّي ، كما أنّ الأوّل أقرب إلى الحقيقة . وقيل لعيسى : ما العدل ؟ فقال : القسط القائم على التّساوي . وحكى جالينوس قال : إن الناس لشدّة حبّهم لأنفسهم يظنّون أنّ لهم ما يحبّون ، فمن أجل ذلك وقعوا في العجب ، فينبغي أن تكون محبّتك لنفسك حقيقيّة ، ويتمّ ذلك لك إذا أنت صيّرت نفسك على الحال الّتي يرى من يرى أنّك عليها . وقال : المعجب يحبّ نفسه أكثر ممّا يحقّ لها ، وما أحسن بالإنسان أن يحبّ نفسه ، ولكن بالعدل ، فإن أراد أن يحبّها جدّا فيجب أن يجعلها من أهل المحبّة ، ثم يحبّها من بعد . قيل : فما الحسد ؟ قال : شدّة الأسى على شيء يكون لغيره . قيل : فما الكآبة ؟ قال : إفراط الحزن . قال أبو سليمان : الحزن والغمّ والهمّ والأسى والجزع والخور من شجرة واحدة ، ومن تعاطى وصف أغصان شجرة طال عليه ، ولم يحظ بطائل ، ويكفي أن نعرف شجرة التّفّاح من شجرة المشمش ، وشجرة الكمّثرى من شجرة السّفرجل ، فإنّ عواقب المعارف نكرات ، كما أنّ فواتح المعارف جهالات . قيل : فما الشّجاعة ؟ قال : الإقدام في موضع الفرصة من جميع الأمور . قال أبو سليمان : الشجاعة إذا كانت نطقيّة كانت فرصتها تعاطي الحكمة والدءوب في بلوغ الغاية ، وبذل القوّة في نيل البغية ، وإذا كانت غضبيّة كانت فرصتها شفاء الغيظ إمّا من مستحقّ ، وإما من غير مستحقّ ، وإذا كانت شهويّة كانت فرصتها التّحلّي بالعفّة التامّة ، أعني في الخلوة والحفل . قال لنا أبو الحسن عليّ بن عيسى الرّمّانيّ الشيخ الصالح : العفّة واسطة بين المقارفة والعصمة ، والعصمة واسطة بين البشريّة والملكيّة .