الليلة السادسة والثلاثون
وقال - دامت أيّامه - : كيف تقول عند مهلّ الشّهر شيئا آخر من لفظه ؟
فكان من الجواب : حكى العالم : عند هلول الشّهر ومستهلّه وهلّه وإهلاله واستهلاله .
قال : ورأيت الحاتميّ يقول : عشر كلمات جاءت وعينها عين ولامها واو ، ولم أوثر شرحه لها لثقل روحه ، ومغالاته بنفسه ، وكأنّه لا علم إلّا عنده ، ولا فائدة إلّا هي معه ، فهل في حفظك هذه الكلمات ؟
قلت : لا إله إلّا اللّه ، اليوم ذكر الأندلسيّ هذه الكلمات وعدّها ، وقد حفظتها ، فقال : هات يا مبارك ، فكان الجواب : منها البعو ، وهو الجناية ، والجعو ، وهو الطّين ، والدّعو ، مصدر دعا دعوا ، والسّعو : الشّمع ، والشّعو : هو انتفاش الشّعر ، والصّعو : الرّجل الضعيف ، وهو أيضا طائر أصغر من العصفور والقعو : من البكرة ، واللّعو : الحريص . والذّئب في بعض اللّغات ، والمعو : الجنيّ من الرّطب ، والنّعو :
الشّقّ في مشفر البعير .
قال : هذا حسن ، لو أتى به الحاتميّ لملوي شدقه ، وقال : تنحّ فقد جاء الأسد وغلب الطّوفان وخرج الدّجّال وطلعت الشمس من المغرب ، ما بال أصحابنا تعتريهم هذه الخيلاء ، ويغلب عليهم النّقص ، ويستمكن منهم الشّيطان .
قلت : قال أبو سليمان : كلّ من غلب عليه حفظ اللّفظ وتصريفه وأمثلته وأشكاله بعد من معاني اللّفظ ، والمعاني صوغ العقل ، واللّفظ صوغ اللّسان ، ومن بعد من المعاني قلّ نصيبه من العقل ، ومن قلّ نصيبه من العقل كثر نصيبه من الحمق ، ومن كثر نصيبه من الحمق خفي عليه قبح الذّكر .