تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
الحركة . وقال قائل : النفس تمام لجسم طبيعيّ ذي حياة . وقال قائل : النفس جوهر ليس بجسم محرّك للبدن . وعلى هذا ، ولعلّ آخرين يقولون في تحديدها ونعتها أقوالا أخر ، لأنّ الملحوظ بسيط ، والمدروك بعيد ، والناظرين كثيرون ، والباحثين مختلفون ، والكثرة فاتحة الاختلاف ، والاختلاف جالب للحيرة ، والحيرة خانقة للإنسان ، والإنسان ضعيف الأسر ، محدود الجملة ، محصور التفصيل ، مقصور السّعي ، مملوك الأوّل والآخر ، غشاؤه كثيف ، وباعه قصير ، وفائته أكثر من مدركه ، ودعواه أحضر من برهانه ، وخطؤه أكثر من صوابه ، وسؤاله أظهر من جوابه ، فعلى هذا كلّه الاعتراف بها - أعني بالنفس وبوجدانها - أسهل من الفحص عن كنهها وبرهانها . قال : وإنما صعب هذا لأنّ الإنسان يريد أن يعرف النّفس وهو لا يعرف النّفس إلّا بالنّفس ، وهو محجوب عن نفسه بنفسه ، وإذا كان الأمر على هذا فالأمر أنّ كلّ من كانت نفسه أصفى ، ونوره أشعّ ، ونظره أعلى ، وفكره أثقب ، ولحظه أبعد ، كان من الشكّ أنجى ، وعن الشّبهة أنأى ، وإلى اليقين أقرب ، والإنسان ذو أشياء كثيرة ، من جملتها نفسه ، فلكثرة ما هو به كثير يعجز عن إدراك ما هو به واحد ، أي إنسان ، وكيف لا يكون هذا النّعت حقّا ، وهذا المقول صدقا ، وهو مركّب في مركّب ، والنّفس مبسوطة ، وإنما فيه جزء يسير ونصيب قليل من ذلك البسيط ، فكيف يدرك بجزء منها كلّها وبقليل منها جميعها ، هذا متعذّر إن لم يكن محالا ، وبعيد إن لم يكن معدوما ، ويكفي أن تعلم أن النفس قوة إلهية واسطة بين الطبيعة المصرّفة للأسطقسّات والعناصر المتهيّئة ، وبين العقل المنير لها ، الطالع عليها ، الشائع فيها ، المحيط بها ، وكما أن الإنسان ذو طبيعة لآثارها الظاهرة في بدنه كذلك هو ذو نفس ، لآثارها الظاهرة في آرائه وأبحاثه ، ومطالبه ومآربه ، وكذلك هو ذو عقل لتمييزه وتصفّحه ، واختباره وفحصه واستنباطه ، ويقينه وشكّه ، وعلمه وظنّه ، وفهمه ورويّته وبديهته وذكره ، وذهنه وحفظه وفكره ، وحكمته وثقته وطمأنينته ، وكذلك هو ذو اعتراف بالأحد الّذي لا سبيل إلى جحده ، والبراء من هويّته ، وكيف يجد أثر الجحد ، أو يحسّ بلمسة من الشكّ ؟ وسنخه ينبو عن ذلك ، وفطرته تأباه ، ولهذا النّبوّ والإباء يفزع إليه ، ويتوكّل عليه ، ويطلب الفرج من عنده ، ويلتمس الخير من لدنه ، فانظر إلى هذه السّلسلة الوثيقة التي لا يفصمها شيء لا في زمان ولا في مكان ، ولا في يقظة ولا في منام ، فهذا هذا ؟ وفيه مقنع . وأمّا فعل النّفس ، فقد وضح أنّه إثارة العلم من مظانّه ، واستخلاصه من العقل بشهادته ، مع إفاضات لها أخر ، وإنالات منها جليلة عند الإنسان ، بها ينال ما يكمل به ، وبكماله يجد السعادة ، وبسعادته ينجو من شقوته . وأمّا قوله : ما الّذي استفادت في هذا المكان ؟ فإنّها أفادت وما استفادت ، إلّا أن