الليلة الخامسة والثلاثون
وقال ليلة : ما الفرق بين الإرادة والاختيار ؟
فكان من الجواب أنّ كلّ مراد مختار ، وليس كلّ مختار مرادا ، لأنّ الإنسان يختار شرب الدواء الكريه وضرب الولد النّجيب وهو لا يريد ، ويختار طرح متاعه في البحر إذا ألجئ وهو لا يريد ، وهما وإن كانا انفعالين فأحدهما - وهو الاختيار - لا يحدث إلّا عن جولان وتنقير وتمييز ، والآخر - وهو الإرادة - يفجأ ويبغت وربّما حمل على طلب المراد بالكره الشديد ، وفي عرض الاختيار سعة للتمكّن ، وليس ذلك في عرض الإرادة . والعرب تستعمل الإراغة في موضع الإرادة ، والأوّل من راغ يروغ ، والثاني من راد يرود ، والهمزة مجتلبة للتّعدّي .
قال : فما الفرق بين المحبّة والشّهوة ؟
فكان الجواب أن الشهوة ألصق بالطّبيعة ، والمحبّة أصدر عن النفس الفاضلة ، وهما انفعالان ، إلا أنّ أحد الانفعالين أشدّ تأثّرا ، وهو انفعال الشّهوة ، وأنّه يقال :
شهي وأشهى ، ويقال في الآخر : حبّ وأحبّ ، ويتداخلان كثيرا بالاستعمال ، لأنّ اللّغة جارية على التوسّع ، كما هي جارية على التّضيّق ، ومن ناحية التضيّق فزع إلى التّحديد والتّشديد ، ومن ناحية التوسّع جري على الاقتدار والاختيار ، وفي عرض هذين بلاء آخر ، لأنّه بين الإيجاز والإطناب ، وبين الكناية ، والتصريح ، وبين الإنجاز والإبطاء . فقال : هذا باب .
ثم ناولني رقعة بخطّه فيها مطالب نفيسة تأتي على علم عظيم ، وقال : باحث عنها أبا سليمان وأبا الخير ومن تعلم أن في مجاراته فائدة من عالم كبير ، ومتعلّم صغير ، فقد يوجد عند الفقير بعض ما لا يوجد عند الغنيّ ، ولا تحقر أحدا فاه بكلمة من العلم ، أو أطاف بجانب من الحكمة ، أو حكم بحال من الفضل ، فالنّفوس معادن ، وحصّل ذلك كلّه وحرّره في شيء وجئني به ، وكان في الرّقعة :
ما النّفس ؟ وما كمالها ؟ وما الّذي استفادت في هذا المكان ؟ وبأيّ شيء باينت الرّوح ؟ وما الرّوح ؟ وما صفته ؟ وما منفعته ؟ وما المانع من أن تكون النفس جسما أو عرضا أو هما ؟ وهل تبقى ؟ وإن كانت تبقى فهل تعلم ما كان الإنسان فيه هاهنا ؟ وما الإنسان ؟ وما حدّه ؟ وهل الحدّ هو الحقيقة ، أم بينهما بون ؟ وما الطبيعة ، وهلّا أغنى