تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمتاع والمؤانسة — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
وذلك دليل النّقص ، واعتراض الألم ، ولو أن إنسانا نقل من كرب حبس ضيّق إلى روض بستان ناضر بهيج مونق ، ثم تذكّر ما كان فيه في حال ما هو عليه لكان ذلك مؤذيا لنفسه ، وكاربا لقلبه ، وقادحا في روحه ، وآخذا من حبوره وغبطته ، ومدخلا للتّنغيص عليه في نشوته . وأمّا قوله : وما الإنسان ؟ فالإنسان هو الشيء المنظوم بتدبير الطّبيعة للمادّة المخصوصة بالصّور البشريّة ، المؤيّد بنور العقل من قبل الإله ، وهذا وصف يأتي على القول الشائع عن الأوّلين إنّه حيّ ناطق مائت أي حيّ من قبل الحسّ والحركة ، ناطق من قبل الفكر والتمييز ، مائت من قبل السّيلان والاستحالة ، فمن حيث هو حيّ شريك الحيوان الّذي هو جنسه ، ومن حيث هو مائت هو شريك ما يتبدّل ويتحلّل ، ومن حيث هو ناطق هو إنسان عاقل حصيف ، ومن حيث يبلغ إلى مشاكهة الملك بقوّة الاختيار البشريّ ، والنور الإلهي - أعني ينعت في حياته هذه التي وهبت له بدءا ، بصحّة العقيدة وصلاح العمل وصدق القول - هو ملك ، فإن لم يكن ملكا فهو جامع لصفاته ، ومالك لحيلته ، ولمّا كان جنسه مشتملا على التفاوت الطّويل العريض ، كان نوعه مشتملا على التفاوت الطويل العريض ، ومن كان نوعه كذلك كانت آحاده كذلك ، وكما أنّ الجنس يرتقي إلى نوع كامل ، كذلك النوع يرتقي إلى شخص كامل . وأمّا قوله : هل الحدّ هو الحقيقة ، أو بينهما بون ؟ فإنّ الحدّ راجع إلى واضعه ومتقصّيه بدلالة أنّه يضعه ويفصّله ، ويخلّصه ويسوّيه ويصلحه . فأما الحقيقة فهي الشيء وبها هو ما هو ، حدّه صاحبه أم لم يحدّه ، رسمه قاصده أم لم يرسمه ، فملحوظ الحقيقة عين الشيء وموضوع الحدّ ليس هو عين الشيء . وأمّا قوله : وما الطبيعة ؟ فهي أيضا قوة نفسيّة ، فإن قلت عقلية لم تبعد ، وإن قلت إلهية لم تبعد ، وهي الّتي تسري في أثناء هذا العالم محرّكة ومسكّنة ، ومجدّدة ومبلية ، ومنشئة ومبيدة ، ومحيية ومميتة ، وتصاريفها ظاهرة للحسائس ، وهي آخر الخلفاء في هذا العالم ، وهي بالموادّ أعلق ، والموادّ لها أعشق ، وليس لها ترقى النّفس في الثّاني إلى عالم الرّوح ، لأنّه لا كون هناك ولا فساد ، فلو رقيت إلى هنالك لبقيت عاطلة ، وليس كذلك النفس ، فإنّ لها في عالمها البهجة والغبطة ، والحبور والسّرور ، وهذا هناك في مقابلة ما كان لها هاهنا من الفضائل التي لا يأتي عليها إحصاء ، ولا يحصّلها استقصاء . وأمّا قوله : وهلّا أغنى الرّوح عن النّفس ؟ فهو يغني عنها ، ولكن في جنس الحيوان الذي لم يكمل فيكون إنسانا . فأمّا في الإنسان فلا ، لأنّ الإنسان بالنّفس هو إنسان لا بالرّوح ، وإنما هو بالرّوح حيّ فحسب .